كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب الفرق بين الرفيعة والفتيا والحُجَج في الدين والفرق في حكم الإيمان والكفر

الجزء ٣ · صفحة ٦٣

ومما تقوم به الحجة في عقل الجاهل أن الإيمان والولاية لا تستوجب إلا باحوال تجتمع من طاعة الله ، من ذلك أن الإيمان وهو الإقرار بالجملة التي لا يختلف فيها ، أنه لا يكون الإيمان إلا بها ، لم يتفق ويصح إلا بمعان مختلفة يقر بها العبد ، والكفر قد يكون ويصح بالمعنى الواحد ، فلم يكن المقر مقرا بالجملة على الإجماع إلا بالإقرار بالله ، أنه واحد لا شريك له في الإلهية ولا الربوبية ، عند علم ذلك ومعرفة معانيه ، والإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن جميع ما جاء به محمد فهو الحق المبين ، فلم يكن الإيمان إلا بالإقرار بهؤلاء المعاني ، والعلم بهن وبمعانيهن والمراد بهن وفيهن ، وكان الكفر بترك الإقرار باحدهن عند قدرته على الإقرار بهن بلسانه ، إذا لزمه ذلك وكان الكفر أيضا بالشك في أحدهن إذا شك في ذلك بقلبه ، ولو أقر بذلك بلسانه ، وكان الكفر أيضا بجهل معاني أحدهن ، أو جهل المراد باحدهن ، فيرد أحدهن بلسانه لانكاره ، ولو أقر بذلك بقلبه فهو كافر بإنكار ذلك بلسانه ، إذا كان على غير الاكراه على ذلك ، وكان الكفر أيضا بالانكار لأحدهن بقلبه ، ولو أقرهن بلسانه ، فصح في الجملة فيما يلزم فيه التعبد بالجملة ، أن الايمان لا يكون إلا بخصال وبمعاني ، وأن الكفر قد يكون بالمعنى الواحد والخصلة الواحدة ، وعلى هذا اجتمعت الأمة لا نعلم بينهم اختلافا ، ثم اختلفوا فيما سوى ذلك ، غير أن اختلافهم يقارب بعضه بعضا في هذا ، أن الايمان بالخصال والكفر بالخصلة ، وأن الطاعة بالخصال والمعصية بالخصلة ، والولاية بالخصال والبراءة بالخصلة ، فهذا مما تقوم به الحجة في حجج العقول ، فمن ذلك كانت الولاية غير البراءة ، ووجوب الولاية غير وجوب البراءة ، والحجة في الولاية غير الحجة في البراءة .

٦٣ / ٢٧٧