كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم

الجزء ٣ · صفحة ٧٨

وأما إن ضاق عن قبول ذلك في المحدث ، وتولى العالم المحق ، ووقف عن ولاية المبطل ، فلم يتوله بالدين ، ولم يثبت على ولايته بالدين ، ففي أكثر القول أنه هالك وأنه محدث بتركه للحجة وشكه فيها .

وقد قيل : إنه لا يهلك ما لم يقف عن العالم برأي أو بدين ، أو يبرأ منه برأي أو بدين من أجل قوله بالحق ، وبراءته من المبطل بالحق ، ولو برىء كل واحد منهما من صاحبه ، فلا يتحول حق المحق ولا حجة العالم ، ولو كان خصمه في ذلك مائة ألف أو يزيدون ، من نظرائه وأمثاله في العلم ، أو كان خصمه في ذلك جميع أهل الأرض ، كان هو الحجة على من خصمه في ذلك ، وخالفه على من سمعه من السامعين له ممن جهل حقه أو علمه ، فلا تتحول حجة الله لمخالفة من خالفها ، ولا تتحول بجهل من جهلها ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا من قول أهل العلم .

واذا تولى الجاهل المحدث بدين ، أو وقف عن العالم بدين أو برأي من أجل قوله الحق ، أو براءته من المحدث ، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه هالك محدث ، لا يسعه جهل ذلك ، ولازم له الدينونة بالسؤال في الإجماع ، واذا صار إلى هذه المنزلة كان كل من عبر له الحق في ذلك ، كان عليه حجة كائنا من كان ذلك المعبر من المعبرين ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وما لم يتول المحدث بدين أو يقف عن العالم المحق ، من أجل قوله بالحق وبراءته من المبطل بالحق ، ولو جهل هو ذلك الحق ، فلا يحكم عليه بهلاك بالدينونة إلا على ما ذكرنا من الاختلاف .

وأما إذا لم تقم عليه الحجة بالفتيا ، فإنما هو بريء منه على ما عاين هذا منه من الباطل ، فبرىء منه العالم المحق من أجل باطله ذلك وحدثه ، فما لم يتول المحدث بدين أو يبرأ من العالم من أجل براءته من المحدث ، أو يقف عفه برأي أو بدين فهو سالم ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .

٧٨ / ٢٧٧