كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم

الجزء ٣ · صفحة ٨٦

ولو كانت حجة الله لا تقوم إلا على من عرف أنها حجة الله ، ما قامت حجة أبدا على أحد من خلق الله من المشركين ولا من الموحدين ، ولا كانت تقوم حجة لنبي من الأنبياء ولا لرسول من الرسل ، ولا لامام من الأئمة ، إلا من علم أن ذلك الرسول رسول ، وذلك النبي نبي وذلك الإمام إمام ، وهذا من الجهل والمحال ، بل إذا قامت شواهد الحجة التي هي حجة ، مع من عرف أنها حجة من العالمين بحكم الحجة ، فإنها تقوم على من عرف ذلك من الحجة ، جهل حكم الحجة أو علم حكم الحجة ، فلا يسع جهل الحجة وإذا لم تقم شواهد الحجة للحجة ، فغير مقطوع العذر من جهل الحجة ، ولوكان ذلك كذلك ، لكان كل من ادعى النبوة من الخليقة جاز له ذلك وكان حجة ، لأنه يمكن أن يكون نبيا فيما مضى قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما يمكن من رسالة الرسل ونبوة الأنبياء ، وكان كل من قال إنه نبي كان حجة ، بل لا يكون النبي حجة في حكم كتاب الله -تبارك وتعالى - ، فيما حكم وقضى به حتى يرسله ويجعل له الآيات والدلائل التي تكون بها له الحجة من المعجزات ومن الدلائل والآيات التي لا يأتي بها غيره من الأمة .

وكذلك حكم الله في عباده لطفا منه بهم ، ومنا منه عليهم وذلك إذا كانوا على دين نبي من الأنبياء مسلمين فهم عليه وحجة الله لهم ذلك النبي وذلك الدين ، الذي هم به سالمون ، حتى يأتيهم نبي ورسول آخر من قبل الله بدلالة وعلامات ومعجزات ، يعقلون أنها لا تكون إلا من الأنبياء والرسل ، ولا يكون لظالم حجة وهو محجوج في حال ظلمه وشركه ، و إنما تكون الحجة والسلامة للمتمسكين بالحق ، الذي لم يأت بما ينقضه بما يقيم الله به الحجة عليه .

كذلك قد قال الله - تبارك وتعالى - : (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ) (1).

٨٦ / ٢٧٧