البعد الحضاري لهذا التراث
الجزء ١ · صفحة ١٧٨كما أن هذه الشروح لا تغفل عادة عن المقارنة بين نصوص الإباضية ونصوص غيرهم مما لم تشر إليه النصوص المشروحة والتراث الإباضي في أصول الدين وفي بقية العلوم الإسلامية يتميز بهذا المنهج وهذا يفهم حضاريا لأن الإباضية ظلوا طول حياتهم أقلية وسط أكثرية أشعرية غالبا، فلذلك يفرض عليهم تعايشهم مع الفرق الأخرى أن يكونوا مطلعين على المسائل الخلافية حتى يبصروا بها أتباعهم ليحافظوا على عقيدتهم وسط التيار العام، وهذا ما يكاد ينعدم في المدرسة الأشعرية لأن أصحابها لا يشعرون بنفس المضايقة، وإنما تأتي ردودهم على ما يسمونهم بأهل البدع والأهواء عادة. وحتى في فترات ازدهارهم لم يلجأ الإباضية الى مسلك الانغلاق كما أشرنا الى ذلك في الفصل الأول من هذا الباب وفعلا فبفضل هذا المنهج المقارن المزدوج بين علماء الإباضية في ما بينهم وبين مختلف الفرق تمكن هذه الشروح القارئ من اطلاع واسع على عقائد جل الفرق الإسلامية وفعلا فقد فرضت علي هذه الشروح الرجوع الى عشرات من النصوص غير الإباضية وهذا سيتجلى أثناء التحليل للقضايا في ما يلي.
ثم إزاء هذا فإن هؤلاء الشراح كانوا شيوخا مدرسين يتداول عليهم الطلبة صباح مساء، ومن كل المستويات، لذلك جاءت شروحهم مفعمة بنزعة تعليمية واضحة، فهم لا يقتصرون على تحليل القضايا الأصولية بل يتوسعون في الشروح اللغوية والبلاغية الى أبعد حد، بل وجدنا من يقتصر أحيانا على هذا النوع من الشرح فقط، وفي هذا دلالة على طول باع هؤلاء في فنون اللغة وقد بلغ عمرو التلاتي في ذلك شأوا بعيدا. كما أن هذه النزعة التعليمية تتجلى أحيانا في طرح القضايا بمنهج يقوم على السؤال والجواب، مما يسر على المتعلم رد الحجة بمثلها عند الحاجة الى ذلك وإن كان هذا المنهج يتضح أكثر في الأجوبة والردود.