البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

وجود الله تعالى:

الجزء ١ · صفحة ١٩١

كما أن المصعبي عند شرحه لعبارة صاحب كتاب الديانات المذكورة آنفا في أن حجة الله على الناس الرسل ذكر أن " هذا لا ينافي أن العقل أيضا حجة ودليل على وجود الصانع وعلى وحدانيته كأن يقال في ترتيب الدليل العقلي على وجود الصانع إن وجود الأشياء ليس من ذاتها بل من غيرها، وإلا لزم المحال وهو اجتماع أمرين متنافيين وهما الاستواء والرجحان بلا مرجح. (بيانه) أن وجود كل فرد من أفراد العالم مساو لعدمه وزمان وجوده مساو لغيره من الأمكنة وصفته التي خصصت به مساوية لعيرها من الصفات فهذه أنواع كل واحد منها فيه أمران متساويان فلو وجد أحدهما بنفسه بلا محدث لترجح على مقابله مع أنه مساو له إذ قبول كل جرم لهما على حد سواء وقد لزم أن وجد شيء ن العالم بنفسه بلا موجد اجتماع الاستواء والرجحان المتنافيين وذلك محال فثبت أن غيرها هو الحق جل وعلا هو الذي خص كل فرد من أفراد العالم بما اختص به، فلولاه ما جد شيء من العالم للمحال المذكور فسبحان من أفصح بوجوب وجوده افتقار الكائنات كلها إليه" (34) .

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم أن هذه المصادر توجب معرفة الله على كل من توفر فيه هذا القدر من العقل الغريزي وإن كان في جزيرة من الجزر الخالدات (35) بل يذهب المحشي إلى أكثر من هذا فلا يشترط في ذلك دوام صحة العقل " فإن صحت غزيرة العقل في تلك الحال، وليس مستحضرا لمعرفة الله عز وجل، ولا لما يسع جهله فهو مشرك وإن تجنن بعد ذلك سريعا" (36) .

إلا أن هذه المصادر وإن نبهت إلى هذا المعنى في معرفة الله تعالى فإنها تلح على أن المعرفة التي ينبني عليها التكليف لا تتم إلا بالاكتساب والتعليم، والعقل وحده لا يكون حجة لولا بعثه الرسل خلافا لأهل الفكر (37) .

١٩١ / ٧٤٦