البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الصفة الذاتية عين الذات:

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

قال السيد: فإن قلت كيف يتصور كل صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه وهل هذا إلا كلام مخيل لا يمكن أن يصدق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه.

قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذاتا وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليه ما يترتب على ذات وصفه معا.

مثلا: ذاتك ليست كافية في اكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك. بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج إلى انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته.

فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم وكذا الحال في القدرة فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة.

وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها (41) .

ومن خلال هذه الردود نتبين أن المصادر الإباضية تقرر مثل المعتزلة والشيعة (42) أن الصفات عين الذات وهذا ما يذكره التلاتي في هذا الشأن " فالصفات كلها صفات سلوب، أي معاني اعتبارية أريد بها سلب أمور لا تليق به سبحانه وتعالى… فهي عندنا (43) أمور اعتبارية كالانكشاف في العلم والسمع والبصر والتمكن في القدرة والتخصيص في الإرادة والاستلزام في الحياة لا صفات حقيقية موجبة لذلك كما يقولون.

فلسنا قائلين بثبوت الصفات في ذاتها ولا بأنها معان هي عين ذاته تعالى كما قد يتوهم من قول أئمتنا رحمهم الله إن صفات الله عين ذاته بل نقول أمور اعتبارية لا وجود لها في ذاتها ولا في ذاته تعالى واعتبرناها لنفي أضدادها ونقول إن ذاته كافيه في الانكشاف والتخصيص والاستلزام المتقدمة.

٢٣١ / ٧٤٦