البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تحليل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

ومنطلقات المتكلمين كانت منبثقة من القرآن إلا أنهم يحاولون صياغة ما جاء فيه من حجج صياغة عقلية برهانية، وقد بينا أن الفكر الإباضي يتنزل في هذا المحيط وقد عالج القضية بنفس المسلك فتأمل أصحابه من وقت مبكر في حقيقة العقل، وحاولوا شيئا فشيئا تحديد مجموعة من المفاهيم صيغت في مصطلحات مثل حقيقة الجوهر والعرض والجسم والشيء والواجب والمستحيل والجائز وما إلى ذلك، ولم تكن المرحلة المقررة للدرس 10، 11، و12 إلا امتداد للقرون السابقة فلم تطل فيها البحوث المتعلقة بإثبات وجود الله تعالى لأن الوسط الذي يعيش فيه الفكر الإباضي لم يعد في حاجة إلى مثل هذه المباحث وإن لم تخل من الإشارة إلى ذلك، وتتمثل هذه الإشارة في دوران الحجج حول دليل واحد وهو افتقار الصنعة إلى الصانع وقصارى القول في هذا المبحث أن حجة السماع هي الأساس لأنها أوسع بكثير من حجة العقل، ولا يمكن أن نلمس لكل هذا بعدا حضاريا طريفا لأن المجتمع الإسلامي آنذاك لم يتفتح بعد على تيار حضاري آخر يدفعه إلى التأمل في القضية من جديد كما حدث ذلك في ما بعد عند الالتقاء بالحضارة الغربية في القرن الرابع عشر هجري، فالقضية حينئذ ثابتة، ولا جدال في الإقرار بوجود الله تعالى.

أما في ما يتعلق بذات الله تعالى فقد جاء التراث الإباضي في هذه المرحلة اجترارا وإعادة لما جاء في التراث الإسلامي عامة والإباضي خاصة ويتمثل ذلك في الرد على المجسمة والمشبهة والنصارى واليهود كأن نصف المجتمع من هؤلاء الناس مع العلم أم مثل هذه الأصناف لا وجود لها في البيئة الإباضية وحتى إن وجد بعض اليهود فإنهم منغلقون على أنفسهم لا يدخلون في الجدل مع أحد.

٢٤٩ / ٧٤٦