تحليل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠والحقيقة أن محاولة تحديد الذات الإلهية ضرب من الترف الحضاري نرى أن المسلمين في غنى عنه لأن المتكلم يعتقد مسبقا أن العجز عن إدراكه إدراك ولعل المشكل يكمن في صعوبة تطويع اللغة لاستيعاب عالم الغيب ولذلك حاولت هذه المصادر تعريف كلمة الذات تعريفا اصطلاحيا وحيثما دارت هذه التعريفات ترجع إلى حقيقة واحدة وهي أن الله تعالى كما قال عن نفسه: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ( 42 الشورى 11).
لكن مهما يكن من أمر فإن هذا المبحث وإن لم يمكن من ضبط دقيق لمفهوم الذات فإنه لم يخل من تأملات لغوية دقيقة في ما يتعلق باشتقاق كلمة ذات وفي الإلحاح على ضرورة تنزيه تعالى مطلقا مع الانتباه إلى أن العقل مهما نما وتكامل يبقى محدودا وإذا أدرك المفكر هذه الحقيقة حرص على توسيع هذه الحدود.
كما أن مثل هذا المبحث لا يمكن أن نعثر على أثره الحضاري في أوساط عامة الناس لأن هذا ليس من مشاغلهم البتة فالله موجود وكفى. لكن العالم الذي فقه مثل هذه المعاني لا تخلو موعظته من أثر في الناس إن هو علم كيف يلامس بها قلوبهم فيدفعهم إلى الشعور بعظمة الذات الإلهية والحقيقة أننا لم نجد في ما بين أيدينا من تراث في العقيدة محاولة لتطويعه لمثل هذا الغرض، بل بقي نصوصا تعليمية يغلب عليها طابع التجريد يتناقلها المتعلمون صاغرا عن كابر.
ولئن كان المبحث المتعلق بالذات العلية يكتسي صبغة تجريدية محضا فإن مبحث أسماء الله تعالى لا يخلو من مثل هذه النزعة لكنه يبدو أقرب إلى الاستيعاب والفهم لأن هذه الأسماء تتردد على ألسنة الناس مئات المرات في اليوم بداية من اسم الجلالة إلى آخر ما استنتج من استعمالات قرآنية بصفة غير مباشرة.