البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تحليل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

وفعلا فقد حرص علماء الأصول على أن يستكهنوا مفهوم اسم الجلالة فاختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا مما جعل المحشي يعبر عن تيه العقول في هذا الشأن ومرجع ذلك ضعف هذه العقول أمام عظمة الله تعالى والملاحظ أن التراث الإباضي لم يتوسع في تحليل انحصار هذا الاسم في حرف الهاء وإن وقعت الإشارة إلى ذلك من وقت مبكر على لسان جابر ابن زيد ومدار القول إن هذا الاسم اعتبر علما تنسب إليه جميع الصفات.

وأثناء التأمل في هذه الأسماء أثيرت قضية جدلية قليلة الجدوى ألا وهي علاقة الاسم بالمسمى وقد بينا أن الخلاف في شأنها داخلي أي بين الإباضية لكن وإن كانت عديمة الجدوى في شأن العقيدة لأن الجدل أفضى إلى أن الخلاف اعتباري بين من يقول إن الاسم هو المسمى وبين من يقول بخلاف ذلك إن الاسم غير المسمى فإن لها بعدا حضاريا واضحا يتمثل في أن الباحث يدرك أن الخلاف الداخلي يكون أشد أثرا في البيئة نفسها مما لو كان الخلاف مع غير الإباضية وقد رأينا كيف رمي القائلون بأن الاسم غير المسمى وبأنها مخلوقة بالإلحاد وهذا أدى إلى تصدع واضح آنذاك خاصة في الجزيرة إذ قد انغلق كل على رايه وهذا كان له أثر واضح في تقلص عدد الإباضية في الجزيرة إذ تخلى القسم الذي اتهم بالإلحاد شيئا فشيئا عن إباضيته وسهل تحويله إلى مذهب آخر بعد حين ونشير إلى الجانب الشرقي من جزيرة جربة الذي تخلى سكانه عن إباضيتهم بصفة نهائية.

هذا على مستوى الواقع أما على المستوى النظري فأن هذا المبحث دفع علماء الأصول إلى تقصي صيغة وسم أو سما بكل مشتقاتها في القرآن الكريم مع التأمل في جميع استعمالاتها وذلك حرصا على توجيهها لما يوافق الموقف المتنبي وفعلا فقد تفنن الشماخي في ذلك مستعينا بزاده البلاغي واللغوي مما يدل على إلمام علماء هذه المرحلة بالقضايا اللغوية وشغفهم بها.

٢٥١ / ٧٤٦