الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق:
الجزء ١ · صفحة ٤٤٩تلك هي أبرز الأدلة التي يعتمدها الاباضية في الرد على المعتزلة ليؤكدوا أن الاستطاعة مع الفعل…وهم إلى جانب هذا يردون قول الجبرية الذين يعتبرون أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح. ويقول تبغورين في هذا الصدد ما يلي:" ومن زعم أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح أو غير ذلك ففي إثبات الأعراض (25) ما يبطل قولهم، ويدخل عليهم ما ذكرنا من البالغ في أول أحوال بلوغه لا يخلو من أن يكون آخذا أو تاركا، أو متحركا أو ساكنا، كما قلنا في صدر الكتاب فأيما قالوا من ذلك ألزمهم أن تكون إرادته واستطاعته معه إلا أن يأتوا بمحال لا يفهم ولا يعقل…
والجسم عندنا وعندهم لا يخلو من حركة أو سكون باكتساب أو ضرورة وما كان باكتساب فباستطاعته وإرادة وما كان باضطرار فبزمانه وعجز، وهذا لا يخلو من الأحياء والأموات وقد استحالت منهم الأفعال والتكليف وليس فيهم الكلام، فلما كان هذا ثبت أن الاستطاعة مع الفعل والإرادة مع المراد والتقرب مع المتقرب به كما قلنا. وكذلك الأمر مع الفعل إما أمر به أو تركه...." (26)
وبهذا يتجلى نزعة التوسط في رفض الموقفين.
والإباضية يتفقون مع الأشاعرة والماتريدية في أن الاستطاعة مع الفعل (27) وقد حرص يوسف المصعبي في حاشيته على أصول تبغورين أن يلم بالقضية من جميع جوانبها وتتجلى طرافته في المقارنة بين النصوص والمقابلة بينها وقد جاءت استشهاداته في شرحه مكملة لما لم يتعرض إليه تبغورين. (28)
وبقي أن نشير إلى أن هذا التراث يتلاقى مع المعتزلة والماتريدية في أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق وذلك بمنافاته للحكمة الإلهية (29) على عكس الأشاعرة الذين يجيزون ذلك بناء على قدرة الله المطلقة التي لا تحد (30) .