البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

العصمة والخذلان:

الجزء ١ · صفحة ٤٥٥

والمتأمل في تاريخ البشرية يحس أن القضية انطلقت مع خلق الإنسان واستكبار إبليس عن السجود لآدم، وما أن هبط الجميع إلى الأرض بعضهم لبعض عدو حتى ظلوا يتجاذبون طرفي حبل القضاء والقدر، ولا تكاد تخلو حضارة من إثارة هذه القضية سواء كانت وثنية أو قائمة على الوحي المنزل من السماء.

وفي محيط عرف الخوض في هذه القضية انتشرت الحضارة الإسلامية بين العرب الذين كانوا يقولون بالجبر وبين اليهود والنصارى ثم المجوس والهنود، وكان التفاعل وكان الأخذ والعطاء والقبول والرفض.

ومعلوم أن منطلق هذه الحضارة الوحي القرآني والنبوي وقد جاءا طافحين بتوضيح هذه القضية وجعلاها أسا من الأسس التي لا يتم الإيمان إلا بها، وألح النبي خاصة على أنها سر من أسرار الله تعالى ونهى عن الخوض فيها.

لكن المسلمين لم ينتهوا عن الخوض فيها عدا الرعيل الأول من الصحابة الذين غلب عليهم طابع الإيمان بما يرون من إعجاز في القرآن الكريم، وبما يلمسون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قدوة حسنة وفي كلامه ما يغنيهم عن الجدل والعناد.

وما أن هبت عاصفة الفتنة الكبرى حتى ثارت قضية القدر وعاد تجاذب طرفي الحبل بشدة فأصحاب السلطان ضغطوا على طرف الغيب فجنحوا إلى القول بالجبر حتى يقنعوا الناس أنهم يستمدون نفوذهم من الله والقوى المعارضة ضغطت على طرف عالم الشهادة بقوة واعتبرت أن هذا النفوذ عمل بشري محض واستبداد لا دخل لعالم الغيب فيه.

٤٥٥ / ٧٤٦