البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

العصمة والخذلان:

الجزء ١ · صفحة ٤٥٦

ولم يغب الإباضية عن هذا الغليان الحضاري بل كان لهم موقفهم من اللحظة الأولى ورغم أنهم من صف المعارضة، ومواقفهم من الأمويين معروفة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المعتزلة ولا إلى ما جنح إليه الجبرية بل كان موقفهم مع الإمام جابر موقف الرسول عليه السلام:" من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" ثم إن الاحتكاك الحضاري بسائر الفرق الناشئة في مدينة البصرة حيث برزت حلقات المناظرات وتمازجي الحضارات وأثيرت القضايا العقائدية بقوة، بحسن نية وبسوء نية، والبصرة هي منطلق دعوة الإباضية ومركزها الأول، دفع بأبي عبيدة إمام الإباضية الثاني إلى التمييز بين القدر والمقدور لتبكيت واصل بن عطاء، وبين أن القدر من الله والمقدور من الإنسان، وإلى البراءة من بعض أتباعه الذين ولوا وجوههم شطر نزعة غيلان الدمشقي، وعلى هذا المسلك درج الربيع بن حبيب حيث جمع كل ما وصله من أحاديث في هذا الموضوع في الجامع الصحيح وعلق عليها بأن الخلق من الله والفعل من العبد.

وفي هذا المحيط المتموج تولدت عن قضية القدر مسائل كثيرة أبرزها قضية الجبر والاختيار أو ما عرف بخلق الأفعال بل صارت مركز الجدل بين المتكلمين وكلما أثيرت قضية القدر تتجه الأنظار إلى هذه المسألة مع مسائل أخرى مثل الاستطاعة والإرادة والعلم.

وبحكم التطور الحضاري وأثر الفكر اليوناني الفلسفي تحول الكفر الإسلامي تدريجيا من طور الجدل المتحمس الدفاعي الى طور التعقيد والتنظير وسلك الإباضية نفس المسلك فنشأت التعريفات الاصطلاحية وقالوا إن القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة والقدر هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها وثبت أن اللفظتين تلتقيان في الحقل الدلالي وهذا ما جعل التمييز بينهما صعبا مما أدى إلى غموض في التعريفات.

٤٥٦ / ٧٤٦