العصمة والخذلان:
الجزء ١ · صفحة ٤٥٧وما أن اعتزل الأشعري المعتزلة وظهر على الناس بمقالاته وإبانته وانطلق من وراء النهر الماتريدي بلمعة وتوحيده حتى سرى في الأمة نبع جديد تسمى بأهل السنة صاغ صياغة جديدة فكرا ساريا عند الناس وإن ثار على الاعتزال فلم يسلم من الجدل الكلامي.
والاباضية على الساحة يتأملون ويقارنون بين مختلف التيارات وموقفهم ثابت فلم يذوبوا في الفكر الاعتزالي رغم الالتقاء في عدة قضايا كما لم يبتلعهم هذا التيار الجديد وإن اتفقوا معه في بعض القضايا ومن بينها قضية القضاء والقدر وما تفرع عنها من قضية خلق الأفعال التي انصهرت في القول بالكسب.
وثبت أن جذور مفهوم الكسب ترجع إلى بداية القرن الثاني/8 مع أبي عبيدة والربيع إلا أن المصطلح لم يتبلور عند الإباضية إلا في ما بعد فقالوا هو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل مع الإشارة إلى الترجيح والاختيار.
والإباضية كبقية الفرق الإسلامية تلمس في تراثهم إدراكهم أن قضية القدر من غوامض علم الكلام، وأن الالتجاء إلى تحديد جهتين للفعل الواحد، الخلق لله، والفعل للإنسان ليس معناه الشركة، وإنما هو مخرج من مضيق ولذا تجد أن هذا الفكر تفاعله مع الأحداث تقوى فيه نسبة الاقتراب من الجبر كما جاء عند علماء جبل نفوسة القائلين بالجبل وتقوى فيه نسبة الاقتراب من الاختيار كما جاء ذلك عند علماء المغرب، إلا أن النزعة التي بقيت طاغية عند الإباضية عامة هي تقوية نسبة الاختيار حتى يتحمل الإنسان مسؤوليته وتتجلى الحكمة في الأمر والنهي في ما يترتب عنهما من الثواب والعقاب، وتتميز حركات الاختيار عن حركات الاضطرار مع اعتقاد أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير.
ويتلخص موقفهم في قولهم إن فعل العبد لا يوجد إلا بخمسة:
1- إرادة الله تعالى.
2- إرادة العبد.
3- اكتساب العبد.
4- إعانة الله إن كان طاعة وخذلانه إن كان معصية
5- خلقه له في وقت الفعل لا قبله ولا بعده. (48)