العصمة والخذلان:
الجزء ١ · صفحة ٤٥٨والجدير بالملاحظة أن المنهج المتبع في كل هذا الخصم هو منهج علم الكلام عامة إذ يكون المنطلق من النصوص قرآنا وسنة ثم يأتي تأويلها وفهمها حسب مقتضيات اللغة، وملابسات القضية، وارتباطها بسائر الفكر الإباضي وهذا يتجلى بوضوح عند ربط القضية بإرادة الله مع اعتبارها من صفات الذات وعند تبيين أن الاستطاعة مع الفعل وأن الكسب لا يتم إلا بعون الله إن كان طاعة وبخذلان الله إن كان معصية.
وقد جاء المنهج العام في تقرير القضية في التحاليل النظرية وحتى في الشروح قائما على الرد على المعتزلة وعلى الجبرية، وبعد استغلال حجج هذا الطرف على الطرف الثاني يستقر الموقف الوسط ويدعم بحجج نقلية وعقلية، فتغلب النزعة العقلية عند البعض أمثال أبي عمار والسدويكشي وتغلب النزعة النقلية عند البعض الآخر مثل ما نجد عند الجيطالي ويوسف المصعبي.
فواضح إذن أن نزعة الإباضية والزيدية والأشاعرة والماتريدية جاءت توفيقية دون أن تغفل عن أن الإنسان مجبر في ما هو خاضع للإرادة الكونية مما سموه بالاضطرار وأنه مكتسب في ما يقع تحت دائرة الاختيار ويبقى الله تعالى خالق كل شيء.
وبعد هذا ندرك أن القضاء سيظل سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول الإنسان أن يكشف هذا السر وسيظل الإنسان لاهثا وراء استكشاف هذا السر عسى أن يقف أمام الغيب وجها لوجه كما يقف أمام قضايا أخرى.