سورة القصص
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٧فَلَمَّا جاءهم الحَقُّ مِن عندنا، قَالُوا: لولا أُوتِي مثل مَا أوتي موسى، أولم يكفروا بِمَا أُوتي موسى مِن قبلُ} يعني: أبناء جنسهم فيِ الرأي والمذهب، وَهُم كفرة زمانِ موسى، ﴿قَالُوا: سِحرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون؛ أو موسى ومحمَّد ﴿تَظَاهَرا﴾ تعاونا بإظهار تلك الخوارق؛ أو بتوافق الكتابين، ﴿وَقَالُوا: إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ(48)﴾ أي: بِكُلٍّ منهما.
﴿قل فأتوا بكتابٍ مِن عندِ الله هُوَ أهدى منهما﴾ مِمَّا نزل عَلَى موسى وعلى محمَّد، وإظهارهما لدلالة المعنى، ﴿أتَّبعْه إن كُنتُم صادقِينَ(49)﴾ أنَّا ساحران مُختلفان، لأَنَّهُ واجب عَلَى كُلِّ مُؤْمِن اتِّبَاع مَا هُوَ أهدى سبيلا.
﴿فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أَنَّمَا يتَّبعون أهواءهم﴾ إذ المقصود مِنْهُم أن يعبدوها، ﴿ومَن أضلُّ مِمَّن اتَّبع هواه بغير هدى مِنَ الله﴾ فيِ موضع الحال للتقييد، فإنَّ هوى النفس قد يُوافق الحقَّ في حال، ﴿إنَّ الله لاَ يهدي القوم الظالمِينَ(50)﴾ الذِينَ ظلموا أنفسهم بالانهماك فيِ اتِّباع الهوى.
﴿وَلَقَد وصَّلنا لَهُمُ القول﴾ أتبعنا بعضه بعضا فيِ الإنزال، ليتَّصل التذكير؛ وقيل: وصَّلنا لَهُم خبر الدُّنْيَا بِخبر الآخِرَة، حتَّى كأنَّهم عاينوا الآخِرَة فيِ الدُّنْيَا؛ أو فيِ النظم، لتتقرَّر الدعوة بالحجَّة، والمواعظ بالمواعيد، والنصائح بالعبر؛ ﴿لعلَّهم يتذكَّرُونَ(51)﴾ فيؤمنون ويطيعون.
﴿الذِينَ آتيناهم الكتاب مِن قبله هم بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)﴾ قيل: نزلت فيِ مؤمني أهل الكتاب. ﴿وإذا يُتلى عَلَيْهِم، قَالُوا: آمنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ من رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قبله مُسْلِمِينَ(53)﴾ دلالة عَلَى أنَّ إيمانهم بِهِ ليس مِمَّا أحدثوه حينئذ، وإنَّما هُوَ أمر تَقَادَم عهدُه، لمَّا رأو ذكره فيِ الكتب المتقدِّمة، وكونهم عَلَى دين الإسلام قبل نزول القرآن، أو تلاوته عَلَيْهِم، باعتقادهم صحَّته فيِ الجملة.
{