سورة العنكبوت
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٥وَمَا هَذِهِ الحياة الدُّنْيَا} إشارة تحقير؛ وكيف لاَ وهي لاَ تزن عند الله جناحَ بعوضة، ﴿إلاَّ لهوٌ ولعبٌ﴾ إِلاَّ كما يلهى ويلعب بِهِ الصبيان، يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة، ثُمَّ يتفرَّقون مُتعبين بلا نفع، إِلاَّ الذين آمنوا؛ واللهو: هو استمتاع بلذَّات الدنيا، واللعب: هو العبث، سمِّيت بها لأَنَّهَا فانية، ﴿وإنَّ الدارَ الآخِرَة لَهيَ الحيوانُ﴾ دار الحياة الحقيقيَّة لامتناع زوالها، ﴿لو كَانُوا يَعْلَمُونَ(64)﴾ فناء الدُّنْيَا ودوام الأخرى، لم يؤثروا عليها الدُّنْيَا التِي أصلها عدم الحياة فِيهَا، عارضة سريعة الزوال.
﴿فإذا رَكِبوا فيِ الفلك﴾ وخافوا الغرق، ﴿دَعَوُا اللهَ مُخلِصين لَهُ الدِّين﴾ كائنين فيِ صورة مَن أخلص دينه مِنَ المؤمنين، حيث لاَ يذكرون إِلاَّ الله، وَلاَ يدعون سواه، لعلمهم بأنَّه لاَ يكشف الشدائد إِلاَّ هُوَ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهم إِلىَ البرِّ إِذَا هم يُشركُونَ(65) ليكفروا بِمَا آتيناهم وليتمتَّعوا﴾ بالإشراك، ﴿فسوف يَعْلَمُونَ(66)﴾ عاقبة ذَلِكَ.
﴿أوَلَمْ يَرَوا أنَّا جَعلنا حَرَما آمِنًا﴾ أي: جعلنا بلدهم مصونا عَن النهب [453] والتعدِّي؛ آمنا أهله عَن القتل والسبي، (لَعَلَّهُ) وذلك مِمَّا يُنبِّههم ويذكِّرهم عَلَى جزيل نعمه، ﴿ويُتخطَّف الناسُ مِن حولهم﴾ يُختلسون قتلا ونهبا وسبيا. ﴿أفبالباطل﴾ أَبَعد هَذِهِ النعمة المكشوفة وغيرها مِمَّا لاَ يقدر عليه إِلاَّ الله؛ بالأوثان أو الشيطان ﴿يُؤْمِنُونَ، وبنعمة الله يكفرُونَ(67)﴾! حيث أشركوا بِهِ غيره.
﴿ومن أظلم مِمَّن افترى عَلَى الله كَذِبا﴾ بأن زعم لَهُ شريكا، بلسان مقاله، أو لسان حاله، ﴿أو كَذَّب بِالْحَقِّ لَمَّا جاءه﴾ ردَّ حجَّة الله حين بلغته، من أيِّ حال كَانَت، ﴿أليس فيِ جَهَنَّم مثوى للكَافِرِينَ(68)﴾ تقرير لثوائهم؛ أي: ألم يعلموا أنَّ فيِ جهنَّم مثوى للكَافِرِينَ حتَّى اجترأوا هَذِهِ الجرأة!.
{