التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة السجدة

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٤

ولو شئنا لآتينا كُلَّ نفسٍ هُداهَا} هدى السعادة، لأَنَّ هدى البيان قد أُوتيَ كلَّ نفس، ﴿ولكن حقَّ القول مِنِّي﴾ ثبت قضائي، وسبق وعيدي، وَهُوَ: ﴿لأملأنَّ جهنَّم مِنَ الجِنَّة والناس أجمعِينَ (13)﴾ وذلك تصريح بعدم (1) إيمانِهم لعدم المشِيئَة [و] الحكم بأنَّهم من أهل النَّار، وَلاَ يدفعه جعل ذوق العذاب مسبَّبًا عَن نسيانهم العاقبة، وعدم تفكُّرهم فيها لقوله: ﴿فذوقوا بِمَا نَسيتُم لقاء يومكم هَذَا﴾ فإنَّه من الوسائط والأسباب المقتضية لَهُ؛ ومعناه: تركتم الإيمان فيِ الدُّنْيَا، ﴿إِنَّا نَسَيناكم﴾ تركناكم مِنَ الرحمة في العذاب ترك المنسيِّ، ﴿وذوقوا عذاب الخلد بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (14)﴾ كرَّر الأمر للتأكيد، وَلِمَا ينُطُّ (2) بِهِ مِنَ التصريح بمفعوله، وتعليله بأفعالهم السيِّئة، مِنَ التكذيب والمعاصي؛ كمَا علَّله بتركهم تدبُّر أمر العاقبة، والتفكُّر فِيهَا دلالةً أنَّ كُلاًّ منهما يقتضي ذَلِكَ.

﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا الذِينَ إِذَا ذُكِّروا بِها﴾ وُعِظوا بها، ﴿خَرُّوا سُجَّدا﴾ مُذعنين مُنقادين، مُسلِّمِينَ أمرهم لله ــ خَوفا من عذابه ــ لاَ يريدون بدلا سواه، ﴿وسبَّحوا﴾ نزَّهوه عمَّا لاَ يليق بِهِ، ﴿بحمد ربِّهم﴾ حامدين لَهُ، شكرا عَلَى ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى، ﴿وَهُم لاَ يستكبِرُونَ (15)﴾ مِنَ الإيمان والطَّاعة، كما يفعل من يصرُّ مُستكبرا. ﴿تَتجافى جُنُوبهم﴾ ترتفع وتَتنَحَّى ﴿عَن المضاجع﴾ الفرش ومواضع النوم، ﴿يَدْعُون ربَّهم﴾ يعبدونه ﴿خوفًا﴾ من سَخطِه ﴿وطمعا﴾ فيِ رحمته، ﴿ومِمَّا رزقناهم يُنفقُونَ (16)﴾ فيِ وجوه الخير.

{

(1) - … فيِ الأَصْلِ: «بعد».

(2) - … «النطُّ: الشدُّ، يقال: نطَّه، وناطه ونطَّ الشَّيْءَ ينطُّه نطًّا: مدَّه». ولم يَتَّضِح معناه فيِ هَذَا السياق. ر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص661، مَادَّة «نطط».

١٬١٠٩ / ١٬٥٨٨