التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة سبأ

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٠

قل: جاء الحقُّ وَمَا يُبدِئ الباطلُ وَمَا يُعيد (49)} وزهق الباطل بحيث لم يبق لَهُ أثر مأخوذ من هلاك الحيِّ، فإنَّه إِذَا هلك لم يبق لَهُ إبداء وَلاَ إعادة، لأَنَّ الحقَّ يُزيح الشبهات مِنَ القلوب، ويُطهِّرها من رجس الباطل إِذَا حلَّ فِيهَا وقبلته. ﴿قل: إن ضَلَلْتُ﴾ عَن الحقِّ، ﴿فإنَّما أَضِلُّ عَلَى نفسي﴾ فإنَّ وبال ضلالي عليها، فإنَّه يُسِيئُها إذ هِيَ الجاهلة بالذَّات والأمَّارة بالسوء، ﴿وإن اهتديتُ فبما يُوحي إليَّ رَبِّي﴾ أيَّ وحيٍ كَانَ، إلهاميًّا أو غيره، والمعنى: بلوغ العلم إِلَيْهِ من أيِّ حال بلغه، وإنَّ الاهتداء بهدايته وتوفيقه، ﴿إِنَّهُ سميع قريب (50﴾.

﴿ولو ترى إذ فَزِعُوا﴾ [عند] (1) الموتِ ﴿فلا فَوْتَ﴾ فلا يفوتونه بهرب وَلاَ حصن، ﴿وأُخِذوا من مكَانٍ قريب (51)، وَقَالُوا آمنَّا بِهِ﴾ بالإسلام، ﴿وأنَّى لَهُمُ التناوُشُ﴾ ومن أين لَهُم أن يتناولوا الإيمان [483] وقد ارتفع عَنْهُم حين عاينوا الحقائق عين اليقين من حيث إنَّهم نبذوا علم اليقين حين أتاهم، ﴿من مكَانٍ بعيدٍ (52)﴾ (لَعَلَّهُ) فإنَّهم لاَ يُطيقون تناوله فيِ ذَلِكَ الحين، وقد بَعُد عَنهُم، وَهُوَ تمثيل حالهم فيِ الاستخلاص بالإيمان بعد مَا فات عَنْهُم، وبَعُد عَنْهُم، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غَلوة (2) بذراعه وقد طار عَنْهُ وارتفع فلا يَجِد إِلَيْهِ سبيلا، وكيف ينالون التوبة وهي فيِ أيَّام التعبُّد وهي الدُّنْيَا وقد ارتحلوا عنها!.

{

(1) - … إضافة من أبي السعود ليستقيم المَعْنَى. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص140.

(2) - … «وغلا السهمُ نفسُه: ارتفع فيِ ذهابه وجاوز المدى، وَكَذَلِكَ الحَجَر، وكلُّ مَرماة من ذَلِكَ غَلوَةٌ … والجمع: غَلَواتٌ وغِلاءٌ». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص1012، مَادَّة «غلا».

١٬١٤٥ / ١٬٥٨٨