التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة مريم

الجزء ٣ · صفحة ٥

فأشارت إِلَيْهِ؛ قَالُوا: كيف نُكلِّم مَن كَانَ فيِ المهد صبيًّا (29)} يُروى عَن ابن مسعود أنَّه قَالَ: «لمَّا لم يكن حجَّة أشارت إِلَيْهِ، ليكون كلامه حجَّة لها، وحجَّة عليهم».

فَلَمَّا سمع كلامهم أقبل عليهم، ﴿قَالَ: إِنِّي عبدُ اللهِ﴾ أنطقه الله بالإِقْرَار لله تعالى بالربوبيَّة، وعلى نفسه بالعبوديَّة، لأَنَّهُ أوَّلُ المقامات، ﴿آتانيَ الكتابَ وجعلني نَبِيًّا (30)﴾ (لعلَّه) معناه: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نَبِيًّا؛ وَقِيلَ: هَذَا (لعلَّه) أخبر (1) عَمَّا كتب له في اللوح؛ وَقِيلَ: أوتي الإنجيل [وَهُوَ] طفلٌ، وكان يعقل؛ ﴿وجَعَلَني مُبَارَكا﴾ نافعا مُعلِّما للخير ﴿أين مَا كنتُ﴾ فيِ أيِّ مكَانٍ، وأيِّ حال كنت. ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ زكاة المال إن ملكته، أو تطهير النفس عَن الرذائل. ﴿مَا دمت حيًّا (31)﴾ متعبِّدا، ﴿وبرًّا بوالدتي، ولم يجعلني جبَّارا شقيًّا (32)﴾ قيل: الشقيُّ الذِي يُذنب وَلاَ يتوب. ﴿والسلام عليَّ يوم وُلدتُ ويوم أموت ويوم أُبعث حيًّا (33)﴾ فهذه ولايةُ حقيقةٍ، والتعريض باللعن عَلَى أعدائه، كقوله: ﴿والسلامُ عَلَى من اتَّبع الهدى﴾ (2)، فإنَّه تعريض بِأَنَّ العذاب عَلَى من كذَّب وتولَّى.

﴿ذَلِكَ عيسى ابن مَرْيَم﴾ أي: الذِي تقدَّم نعته هُوَ عيسى بن مَرْيَم، مَا لاَ تصفه (3) النصارى، وَهُوَ تكذيب لَهُم فيما يصفونه عَلَى الوجه الأبلغ [341] والطريق البرهانيِّ، حيث جعله موصوفا بأضداد مَا يصفونه، ثُمَّ عَكَسَ الحكم. ﴿قولُ الحَقِّ﴾ أي: هُوَ قول الحَقِّ ﴿الذِي﴾ لاَ ريب ﴿فِيهِ يمترُونَ (34)﴾ فيِ أمره، يشكُّون أو يتنازعون.

{

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إخبار».

(2) - … سورة طه: 47.

(3) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا ما تصفه».

٨٢٠ / ١٬٥٨٨