التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الأنبياء

الجزء ٣ · صفحة ٦١

وكم قَصَمنَا مِن قريةٍ} واردة عَن غضب عظيم، لأَنَّ القَصْمَ: كسرٌ يُبين تَلاؤمَ الأجزاء، بخلاف العَصْمَ، ﴿كَانَت ظالمة﴾ بسبب ظلمهم، ﴿وأنشأنا بعدها قوما آخرِينَ (11)﴾ مكانهم، ﴿فَلَمَّا أحسُّوا بأسَنَا﴾ فَلَمَّا أيقنوا مِن وقوع عذابِنا ﴿إِذَا هُم منها يركُضُونَ (12)﴾ يُهزَمون مسرعين، (لَعَلَّهُ) هاربين ﴿لاَ تَركضوا﴾ عَلَى إرادة القول، أي قيل لهم استهزاء: «لاَ تَركضوا» إمَّا بلسان الحال أو المقال؛ وهذا الوعيد يعمُّ كلَّ مَن مات عَلَى شيء مِن معاصي الله مُصرًّا، ﴿وارجِعوا إِلىَ مَا أُترفتم فِيهِ﴾ مِنَ التنعُّم والتلذُّذ؛ والإتراف: إبطارُ النعمة، ﴿ومساكِنِكُم﴾ التِي كَانَت لكم، ﴿لَعَلَّكُم تُسألُونَ (13)﴾ غدًا عَن أعمالكم؛ أو يسألكم أهلكم إِذَا رجعتم. وقال قتادة: «لَعَلَّكُم تُسألون شَيْئًا مِن دُنيَاكم فتعطون مَن شئتم، وتَمنعون مَن شئتم»؛ يقولون (1) ذَلِكَ استهزاء بهم.

﴿قَالُوا: يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمِينَ (14)﴾ لمَّا رأوا العذاب، ولم يروا وجه النجاة. ﴿فما زالت تلكَ دعواهم﴾ فما زالوا يُردِّدون ذَلِكَ، إِلىَ أن قُبِضت أرواحهم عَلَى ذَلِكَ العذاب، وكانت دعواهم عذابا لَهُم فوق عذاب البأس؛ وإنَّما سمَّاه دَعوى، لأَنَّ المُوَلْوِلَ كَانَ يدعو بالويل: تعالَ فَهَذَا أوانك (2). ﴿حتَّى جعلناهم حصيدا﴾ مثل الحصيد: وَهُوَ النَّبتُ المحصود، ﴿خامدِينَ (15)﴾ مَيِّتين، مِن “خَمَدَت النارُ”.

{

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «يقال لهم».

(2) - … يبدو أنَّ في العبارة خللا، وَفيِ الكشَّاف: «لأنَّ المولول كأنَّه يدعو الويلَ فيقول: تعالَ ياويلُ فَهَذَا أوانُكَ». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 83. وانظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص59.

٨٧٦ / ١٬٥٨٨