التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الحج

الجزء ٣ · صفحة ١١٣

يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اركعوا واسجدوا} فيِ صلاتكم، ﴿واعبدوا رَبَّكُم﴾ بسائر مَا تَعبَّدَكم بِهِ، ﴿وافعلوا الخير﴾ وتقرَّبوا إليه بنوافل الطاعات، ﴿لَعَلَّكُم﴾ لكي ﴿تفلحُونَ(77) وجاهدوا فيِ الله﴾ لله ولدينه أعداءَ دينه الظاهرة: كأهل الزيغ، والباطنة: كالهوى والنفس. وعنه - عليه السلام - أنَّه رجع من غزوة مِنَ المغازي فقال: «رجعنا مِنَ الجهاد الأصغر إِلىَ الجهاد الأكبر»، فَسئل عَن الجهاد الأكبر فقال: «جهاد النفس» (1) ، أو نحو هَذَا مِنَ الكلام. ﴿حقَّ جِهادِه﴾ أي: جهادا فِيهِ حقًّا خالصا لوجهه، ببذل الوسع، والأنفس، والأموال، والمهج، وأخذ الحذر عَن المخالفة والفتور، وَهُوَ استفراغ الطاقة؛ ﴿هُوَ اجتباكم﴾ اختاركم لدينه ولنصرته، ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فيِ الدين من حَرجٍ﴾ أي: ضيق، بتكليف مَا لاَ يستطاع. ﴿مِلَّة أبيكم إبراهيم﴾ أي: وَسَّع دينَكم توسُّعَ ملَّة أبيكم؛ وإنَّما جعله أباهم، لأَنَّهُ أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ كالأب لأمَّته، من حيث أنَّه سبب لحياتهم الأبديَّة، ووجودهم عَلَى الوجه المعتدِّ بِهِ فيِ الآخِرَة. ﴿هُوَ سمَّاكم المُسْلِمِينَ من قبلُ﴾ من قبل القرآن فيِ الكتب المتقدِّمة، ﴿وفي هَذَا﴾ وفي القرآن، ﴿ليكون الرسول﴾ مُتعلِّقٌ (2) بـ«سمَّاكم»، ﴿شهيدا عليكم﴾ بطاعة من أطاع، وعصيان من عصى، ﴿وتكونوا شهداء عَلَى الناس﴾ من حيث تنزلون [383] مِنْهُم كلاًّ منزلته، وتُوفُّونه حقَّه وقسمه، ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ عَلَى الوجه المأمور بِهِ، لَمَّا خصَّكم بهذا الفضل والشرف، ﴿واعتصموا بالله﴾ واتَّقوا بِهِ في مجامع أموركم، ﴿هُوَ مولاكم﴾ ناصركم ومتولِّي أموركم، ﴿فنعم المولى ونِعمَ النصير(78)﴾ هُوَ، إِذ لاَ مثل لَهُ فيِ الولاية والنصرة، بَل لاَ مولى وَلاَ نصير سواه فيِ الحقيقة.

(1) - … لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة.

(2) - … في الأصل: «متعلقا»، وهو خطأ.

٩٢٨ / ١٬٥٨٨