تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

13

الجزء ١١ · صفحة ١٤٢

﴿ لأَنْتُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ أشَدُّ رَهْبَةً ﴾ إِرهابا فهو اسم مصدر فالرهبة فعل للمؤمنين لأَنه بمعنى الإِرهاب الذى هو مصدر من المبنى للفاعل ويجوز أن يكون مصدرا من المبنى للمفعول الثلاثى لأَن المؤمنين مرهوبون لا راهبون ﴿ فِى صُدُورِهِم ﴾ صدور اليهود أو المنافقين أو الفريقين ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ أى إِرهابكم إِياهم أشد عندهم من إِرهاب الله لهم أو رهبتهم منكم أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله D ، وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله D ، واعلم أن تقديم عزة الله على جلاله أولى لتقدمها فى لحديث القدسى ، كما مر فى قوله تعالى : وعزتى وجلالى ، ولم يقل وجلالى وعزتى ، والأَولى أن المعنى تخيفونهم أكثر مما يخيفهم الله D عندهم ، أو يخافونكم أشد مما يخافون الله D ، وفى ذكر الصدر مع أن الخوف لا يكون إِلا منه مبالغة كقولك : هذا ما كتبته بيدى ، وهذا مما رأيته بعينى وهذا مما سمعته بأُذنى .

﴿ ذَلِكَ ﴾ المذكور من كونكم أشد إِرهابا لهم من الله عندهم أو كونهم أشد لكم رهبة منه تعالى ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ بسبب أنهم ﴿ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ عظمة الله D فلم يخشوه حق خشيته ﴿ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ أى اليهود أو هم والمنافقون فبهذا ضعف ودهاء صدورهم إِلى المنافقين وحدهم ﴿ جَمِيعًا ﴾ حال من الواو لا من الكاف ، أى لا يقدرون على قتالكم مع أنهم مجتمعون ﴿ إِلاَّ فِى قُرًى ﴾ حال ، أى إِلا فى حال أنهم فى قرى أو متعلق بيقاتل ، أى لا يستعملون إِليكم إِلا فى قرى وخوفهم شديد بحيث يصدق عليهم قول المتنبى :

وضاقت الأَرض حتى صار هاربهم … إِذا رأى غير شئ ظنه رجلا

وقول بعض :

ما زلت تحسب كل شئ بعدهم … خيلا تكر عليهم ورجالا

﴿ مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ﴾ فكيف يقاتلونكم غير مجتمعين أو فى غير قرى أو فى قرى غير محصنة لقذف الله D الرعب فى قلوبهم ومزيد رهبتهم والتحصين بالخنادق والدروب والشوك ونحو ذلك ، والجدر الحيطان أو جذوع النخل القائمات فإِن النخل مما يستتر به .

﴿ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ إِذا تقاتلوا ولكن خوفهم الله D منكم ، والجملة مستأنفة أو حال وبين متعلق بشديد قدم للحصر والفاصلة ، أو حال من ضمير شديد ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا ﴾ مجتمعين بقلوبهم ذوى أُلفة واتحاد ﴿ وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ متفرقة لا أُلفة بينهم لعداوة وحقد بينهم فليسوا يقاتلونكم بيد واحدة ففيهم ضعف وافتراق فلا تخافوهم ، فكأَنكم تقاتلون عدداً أقل مما ترون من عددهم ، وكأَنه فيهم من يعينكم لتعاديهم فيما بينهم ، وهذا تجسير للمؤمنين عليهم والجملة حال من ضمير تحسب والربط بواو الحال أو من الهاء والربط بواو الحال والضمير ، وشتى جمع شتيت وألفه للتأَنيث ، وقيل المراد أن دين المنافقين وآراءَهم يخالف دين اليهود وآراءهم .

٥٬١٤٢ / ٦٬٠٩٣