تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١٠ · صفحة ١٦٠

هذا الفتح هو صلح الحديبية عند الجمهور ، وهو قول ابن عباس وأنس ، أخبر الله تعالى به مؤكدا بأن ، وبأنه فتح مبين ، أى ظاهرا او مظهرا للحق لوجوه منها : أن بعض الصحابة قال : والله ما هذا بفتح ، صددنا نحن وهَديُنا عن البيت ، ورد رسول الله A الى مكة رجلين مسلمين هجرا منها حين أقام بالحديبية كارها ، فقال A : « بل أعظم الفتح رأى المشركون منهم ما كرهوا ، وأذعنوا للصلح ، ورغبوا فى الأمان اليكم ، أنسيتم يوم أحد ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون ﴾ الآية أنسيتم يوم الأحزاب : ﴿ إذ جاءوكم من فوقكم ﴾ الآية » فقال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح ، والله يا رسول الله ، ما فكرنا فيما قلت ، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا .

ومنها : أنه تعالى أخبر به امتناناً .

ومنها : أن بعض الصحابة وغيرهم بعد لم يحضر الفتح ، ففى هذا اخبار لهم .

ومنها : أن الحاضرين فى الحديبية علموا الصلح ولم يعلموا أنه فتح ، أو علموا انه فتح ، ولم يعملوا عظم شأنه ، فأخبرهم الله تعالى بعظم شأنه ، ألا ترى الى ضمير العظمة .

ومنها : أنه تعالىأخبر بذلك ليبدلهم على أنه للمغفرة ، واتمام النعمة ، والنصر العزيز المذكور بعد ، ولا يصح ما قيل انه لازم الفائدة كقولك : قام زيد ، ليعلم سامعك أنك عالم بقيامه .

وسمى الصلح فتحا لاشتراك والفتح فى الظهور ، لأن المشركين ابتدءوا به وسألوه ، وذلك ذل منهم ، قال الكلبى : ما سألوا الصلح الا بعد أن ظهر المسلمون عليهم ، وعن ابن عباس : رماهم المسلمون بالنبل والحجارة حتى أدخلوهم ديارهم ، وأيضا سمى فتحا لأنه سبب لفتح مكة .

قال الزهرى : لم يكن فتح اعظم من صلح الحديبية ، سمعوا كلام المسلمين ، وتمكن الاسلام فى قلوبهم ، وأسلم فى ثلاث سنين من يومها خلق كثير ، قال مجمع بن حارثة الأنصارى : شهدنا الحديبية مع رسول الله A ، فلما انصرفنا عنها اذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض : ما بال الناس؟ فقال : أوحى الى رسول الله A ، فخرجنا نرجف ، فوجدنا النبى A واقفاً على راحلته عند كراع العميم ، فلما اجتمع الناس قرأ : « انا فتحنا لك فتحا مُبينا » فقال عمر : اهو فتح يا رسول الله؟ قال : « نعم والذى نفسى بيده » .

قال القرطبى : فتحو مكة بعشرة آلاف فى السنة الثالثة ، وليس المراد فتح خيبر ، لأنه ذكر بعد ، ولا فتح مكة لذكره بقوله تعالى : ﴿ لقد صدق الله ورسوله الرؤيا ﴾ الخ وقيل فتح فارس والروم ، وما يفتح بعده على أيدى الصحابة ومن بعدهم ، كالمغرب الأدنى والأوسط والأقصى ، إلا أنه ما دخل أندلس من الصحابة إلا واحد اسمه المنيذ ، فالمضى لتحقق الوقوع ، ومزيد التبشير ، أو على ظاهره باعتبار ثبوته عند الله D فى الأزل ، وفى اللوح ، وهكذا كل مضى فى القرآن بحسب الامكان .

٤٬٦٦٠ / ٦٬٠٩٣