تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٨

﴿ يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تُقدِّمُوا بيْن يَدى الله ورسُولِه ﴾ بدأ السورة بالرحمة ترغيباً فيها ، وترجية للمذنبين ، ليتوبوا ، وبدأ بعد الرحمة بالنداء اشارة الى عظمة ما نودوا اليه ، ليزدادوا اعتناء به ، أن يجتهد فيما دعى الله ، عن ابن مسعود : كل ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فى المدينة وكل : ﴿ يا أيُّها الناس ﴾ فى مكة ، قلنا : قد يتخلف ذلك ، وتقدم متعد الى مفعول واحد بنفسه ، والى الآخر بعلى تقول : قدمت زيدا على عمر ، ولكن استعمل هنا على طريق عدم تعلق الغرض بالمفعول ، فنزل منزلة اللازم كقولك : الله يعطى ويمنع ، وينفع ويضر ، وقوله تعالى : ﴿ يحيى ويميت ﴾ فالمعنى لا تفعلوا التقديم ، ولا سبيل لكم اليه ، فهو سلب لحقيقة التقديم ، فيلزم منه أن لا مقدَّم ولا مقدَّم عليه بفتح الدالين أو هو متعد الى مفعول به مقصود حذف للعموم ، أى لا تقدموا أمرا ما من الأمور على الآخر ، وهذا أكثر استعمالا ، وفيه السلامة من تنزيل المتعدى منزلة اللازم الذى هو خلاف الأصل لكل فيه الحذف الذى هو خلاف الأصل .

وعند الأولى وهو تنزيله منزلة اللازم أولى وهو كثير ، ولو كان الثانى أكثر وهو الحذف لأن أبلغية الكلام بسلب التقديم البتة أقوى من أبلغيته بحذف المفعول على طريق قصده للعموم ، والوجهان من معنى التقديم ، ويجوز أن يكون من معنى التقدم بضم الدال وهو لازم كقولك : مقدمة الجيش ، ومقدمة جناحى الطائر ، ويدل له قراءة ابن عباس ، وأبى حيوة ، والضحاك ، ويعقوب وابن مقس بفتح التاء والدال ، والأصل عليه لا تتقدموا فحذفت احدى التاءين ، ولفظ ، بين مجاز مرسل أصلى ، لأن حقيقته ما بين اليد اليمنى واليسرى ، واستعمل فى معى ما امر الله تعالى به ، وما أمر به رسوله A ، ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية ، شبه اثبات الحكم من غير اقتداء بالله ورسوله ، لجامع البشاعة بتقدم الخادم بين يدى سيده فى السير بلا أمر منه ، حيث لا مصلحة أى لا تجزموا بأمر قبل حكم الله تعالى ورسوله A فيه ، وذلك تشبيه للمقول بالمحسوس .

ويجوز أن يكون المراد بين يدى الرسول ، وذكر لفظ الجلالة قبل الرسول تعظيما له A ولشأنه ، بأن مقوله مقول الله D ، فكيف يعرض عنه ، قال ابن عباس : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ، وعنه : نهوا أن تكلموا بين يدى رسول الله A ، وأمروا أن يصغوا فهذا فى التلفظ وما مرّ فى اثبات الأحكام بدون الله ورسوله كما قال مجاهد لا تفتئتوا على الله ورسوله حتى يقضىلله ، وروى حتى يقصه الله على رسوله A ، وساء فى ذلك قراءة التقديم وقراءة التقدم ، أو قراءة التقدم على التشبيه لجعلتهم فى الحكم ، أو التلفظ بعجلة المسافر من سفره بجامع الرغبة ، وقدر رغبوا فى الحكم أو القول .

٤٬٧٠٨ / ٦٬٠٩٣