نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

(قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ): قرأ أبو جعفر في أشهر رواية عنه (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُواْ) بضمّة على التاء في حال الوصل على إتباع حركة التاء لضمّة الجيم في (اسْجُدُواْ) وقرأ الباقون بكسر التاء.

د) - البيان والتفسير:

ما تزال أحداث قصة بدء الخليقة تتوالى في مشهد مثير يجسّد مدى التكريم الإلهي لذلك المخلوق العجيب في نوعه وصورته، وقد أقرّ ملائكة الله بمزيته عنهم بما خصّه الله به من المعرفة، وبما انتدبه إليه من تحمّل أمانة الخلافة في الأرض، فأمرهم الله بالسجود له تعظيما لشأنه فقال تعالى:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ): الجملة معطوفة على جملة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ) واختير هنا ضمير العظمة (قُلْنَا) لإظهار عظمة الآمر وإذعان المأمورين الذين أُمِرُوا بالسجود لآدَمَ تكريما له وإظهارا لما خصّه الله به من المزايا أعظمها المعرفة والإرادة وحرية الاختيار، وكلها خصائص تؤهل آدم وذريته للقيام بالمسؤولية المنوطة بهم من الخلافة في الأرض، وهل أبلغ في التكريم لهذا المخلوق العجيب من سجود الملإ الأعلى له في أول نشأته من أديم الأرض لينطلق على فجاجها ومناكبها مرتزقا ومنقّبا ومعمّرا، وهو مزوّد بذلك الزاد المعرفي الذي خصّه الله به، والذي كان محطّ التعظيم والتبجيل بأمر الله، ذلك الأمر الذي لم تتردد ملائكة الله في مبادرة تنفيذه فور توجيهه إليهم، ويدلّ على ذلك العطف بفاء التعقيب (فَسَجَدُواْ)

١٠٤ / ٦٬٧٦٧