سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٠٥وكان "إبليس" بين الملائكة المأمورين بالسجود، استثناه الله من القيام بالسجود المأمور به، وكان مقصودا ومعنيا بكل ما أخبر به ملائكة الله وما أمروا به في شأن آدم، ولكنه عصى ربه وتنكّب عن زمرة الملائكة بثلاثة مواقف تدلّ كلها على الخبث والتمرّد والعصيان وهي قوله تعالى: (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ):
أ - فالإباء هو الامتناع من فعل أو تلقيه، وهو صفة خلقية تأخذ قيمتها من الفعل الممتنع عنه، ومن الجهة التي تأمر بذلك الفعل، فالسجود لآدَمَ سجود تكريم وتعظيم ليس فيه غضاضة للمأمور، بل هو تواضع محمود واحترام لصاحب الفضل، ويزيده قيمة وشأنا أن يكون تنفيذا لأمر الخالق العظيم.
ب - والاستكبار خلق ذميم ينمّ عن خسّة في النفس تنطلق من رؤية خاطئة وتقييم مزيّف، إذ يرى المتكبر لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة أخرى، ثم يرى مرتبته فوق مرتبة غيره، فيركبه الغرور وتأخذه عزّة النفس ويحتقر غيره، وقد ذّم القرآن هذا الخلق واعتبر صاحبه في عداد الضّالين فقال تعالى: (كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: 35)، وقال في جزاء الكبر بجهنم: (اَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر:60).
ج - (وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ): والكفر هو مِلاك الرذائل كلها، ويرى كثير من المفسرين أن "كان" هنا بمعنى "صار" حتى يتفادوا الوقوع في حمل فعل "كان" على الدلالة على الاتصاف بالكفر فيما مضى عن وقت الامتناع من السجود، فقوله تعالى (وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) بدلا من قوله: "وكفر" للدلالة على معنى رسوخ الكفر فيه رسوخا عميقا.