سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ١٩٨ومن بلاغة القرآن أن لم تحدّد الآية نوعية التّفضيل، بل تركته على عمومه ليشمل كل المجالات التي يلاحظ فيها نوع من التفضيل، وإسناد الفعل إلى الله يشعر بأن ليس للإنسان حيلة ولا دخل في تلك الحظوظ اللّدنية التي هي بمشيئة الله وإرادته وحدها، ويؤيده قوله تعالى: (وَسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ).
وقوله: (مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) عامّ يشمل اختلاف التّفضيل ما بين الرّجال والنّساء، أو بين أفراد كل نوع على حدة.
وقوله: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اَكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اَكْتَسَبْنَ): يعني أن المواهب اللّدنية لا تعني القعود عن السّعي والكسب، لأن الله تعالى وضع لهذه الحياة سننا وربط الأسباب بالمسببات، وأمر الإنسان أن يسخّر مواهبه في ما خلقت لأجله في إصلاح الأرض وعمارتها، فعلى كل مخلوق ذكرا كان أو أنثى أن يسعى إلى كسب متمنياته المشروعة والمعقولة بكدّ يمينه وعرق جبينه، ويستعين بالله في ما وراء الأسباب الظاهرة والسّنن المعروفة، وهكذا يربط الإسلام الجزاء بالعمل في هذه القاعدة العامّة.
وذكر الرّجال والنّساء بهذا التّفصيل اقتضته الأحكام السّابقة في تحديد واجبات كل طرف وحقوقه في الحياة الأسرية والاجتماعية بصفة عامّة، ولا يعني ذلك التّنظيم الإلهي الحطّ من كرامة أحد الطّرفين، فكلاهما مسخّر لما خلق له، وكل تجاوز لحدّ المسؤولية المتعلقة بكل طرف في الأحوال العادية لوضعية الأمّة فإنه يعتبر خروجا عن قانون الفطرة، لا ينجرّ عنه إلا الفوضى والتّسيّب، وبالتّالي تفكّك الأسرة وانهيار التّماسك الاجتماعي.