سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٣وتوجيه النّهي إلى الرّسول -وهو أعدل النّاس وأكملهم خلقا- إنما هو للمبالغة في التّحذير من هذه الصّفة التي قد يتصف بها بعض الحكّام فتختلّ موازين العدل، ويتعرّض الأبرياء إلى العقاب، وعندما لا تأخذ العدالة مجراها في المجتمع فإنه يتعرّض للهزّات العنيفة، والاضطرابات المفجعة فيذوق من ويلاتها البريء والمجرم. وحينئذ يكون الخائن في واقع الأمر قد أضرّ بنفسه وبمصالحه قبل أن يضرّ بغيره، فهؤلاء الخونة ليس لهم إلا التّسفيه والنّبذ، بحيث لا يجدون مِن بني قومهم من ينافح عنهم ويقف في صفّهم لأن الله تعالى يبغضهم ويمقت هذه الصّفة الذّميمة ويوصي بالوفاء والأمانة.
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمُ (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً):
بيان لحال هؤلاء الخونة في معرض التّعجيب، كيف يخافون النّاس ولا يخافون الله، مما يدلّ على ضعف إيمانهم، إذ لو كانوا يعتقدون بأن الله تعالى يعلم السرّ وأخفى، وأنه مطّلع على أسرارهم لما اتخذوا من اللّيل ستارا لحبك مؤامراتهم. والخائن جبان في أغلب تصرّفاته، إذ يغالط نفسه عندما يحاول أن يواجه الواقع بضروب من الحيل والمداجاة، ورحم الله شاعر الثّورة مفدي زكرياء عندما ربط الخيانة بالجبن في هذين البيتين اللذين يعتبران من روائعه فقال:
لا درّ درّ الخائنين ولا غفت … عين الجبان المستميت بكاءً
إن الجبان على البلاد مصيبة … عظمت، فيا أرض ابلعي الجبناء
(هَآنتُمْ هَؤُلآَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُّجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّنْ يَّكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً):