سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤١٤هذا هو الشّطر الأول من فعل الشّرط، مشاققة الرّسول أي مخالفته عن عمد من بعد ما عرف الحق، وظهر له من صدق نبوءته ما تطمئن إليه نفسه، كما ظهر ذلك لصاحب القصة الذي كشف الوحي حقيقة أمره. ومشاقة الرّسول ارتداد وكفر، فكيف بالذي ذاق حلاوة الإيمان، وتبيّن له وجه الحق والصواب وشرف بصحبة رسول الله واعتز بجماعة المؤمنين، فإذا به يطرح كل ذلك ويعرض عنه لسبب من الأسباب سفاهة وغيّا؛ وهو إذ يفعل ذلك عن وعي واختيار، وليس له مبرّر من إكراه أو إجبار، فقد سفه نفسه واتبع هواه فأضلّه الله على علم كما قال تعالى: (أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ' هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ) (الجاثية:23).
وقوله تعالى: (تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) وقوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) تدلاّن على سنة الله تعالى في عمل هذا الإنسان ومدى ما خوّل له من الإرادة والاستقلال في تفكيره وعمله، فأيّما وجهة تولاّها في ذلك، فإن الله تعالى يقدره عليها فيسير على طريقها، إمّا إلى نهاية المطاف خيرا كانت أو شرّا، وقد يحالفه التّوفيق فيعدّل من سلوكه قبل نهاية الطّريق، والأسباب التي تدفع النّاس إلى ذلك وتتحكّم في مصائرهم كثيرة.