سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٤٤بعد أن وصف الله تعالى ذاته العلية بالسّعة والحكمة في الآية السّابقة، وذلك على وعده بالإغناء لكل من الزّوجين عندما يتفرقان. جاءت هذه الآيات الكريمات لتؤكد وتركّز في وعي السّامع مجالات قدرة الله وسعة ملكه في السّماوات والأرض حتى يتوجّه بنظره وتأمّله إلى إدراك عظمة الخالق، وأنه الغنيّ عن حمد الشّاكرين لأنه محمود لذاته، فلا تنفعه طاعة الخلق ولا تضرّه معصيتهم ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد أو أفجره كما جاء في الحديث القدسيّ. وإنما يشرّع لعباده بهذه الأحكام ما هو الأفضل والأقوم لتنظيم شؤون معاشهم ومعادهم، تلك الأحكام التي إذا التزموا بها يكونون منفّذين لوصية الله بالتّقوى. وهي مِلاك الطّاعة للهِ وجماع الخيرات والصّالحات، فقوله تعالى: (وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ): وجعله تمهيدا لمضمون الوصية فيه إشعار وتذكير بعظمة المعبود الحق الذي يلقي الوصية على من يعيها بحقّ وينفّذها بصدق.
وعطف الجماعة المسلمة في الضّمير المنفصل: (إِيَّاكُم) على الذين أوتوا الكتاب لزيادة التّحريض والمنافسة في الاستباق إلى الخيرات، حين يشعر المسلمون بمدى عناية الله بهم واصطفائهم لهذه المهمّة، ثم الاشتراك في مضمون الوصية بينهم وبين أهل الكتاب في ملازمة التّقوى والابتعاد عن الكفر فيه دليل قاطع على أن المقاصد العليا للدّين واحدة وإن اختلفت في بعض الجزئيات، ولعل اختيار كلمة التقوى هنا في مقابلة كلمة الكفر لِتدلّ على أن الإيمان قول وعمل كما أسلفنا. والتّذييل بوصفي "غني وحميد" مناسب لمضمون الآية في أن الله غنيّ بذاته ومحمود لذاته.