سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٩٢وبما أن اليهود ينكرون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد تلقى الوحي كما تنزّل على موسى جاء هذا الرّدّ الإلهي القاطع مؤكدا بـ"أنّ" ومدعّما بالتّشبيه: (كَمَآ أَوْحَيْنَآ) للدّلالة على أن الوحي جنس واحد من مصدر واحد وإن اختلفت أنواعه وأشكاله، ثم ذكر الله تعالى ذلك الحشد المبارك من تلك الصّفوة المختارة من أنبياء بني إسرائيل بالخصوص، لأن المقصود هم اليهود وهم لا ينكرون نبوءة هؤلاء، وذلك أقوى في محاجتهم ودحض شبهاتهم، وأمّا البدء بسيّدنا نوح بخصوص ظاهرة الوحي فيعلّله الإمام الفخر الرّازي بأنه أول نبي شرّع الله على لسانه الأحكام والحلال والحرام، ثم أجمل الله النّبيئين الذين جاؤوا من بعده وصولا إلى سيدنا إبراهيم وهو النّبي المجمع على فضله من طرف أهل الكتاب ومن العرب، ولعلّ ترتيب ذكر إسماعيل -وهو ولد إبراهيم من "هاجر"- لعلّ في ترتيب ذكره بعد إبراهيم قبل ذكر إسحاق ويعقوب -والله أعلم- إلفاتا لنظر اليهود إلى كون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فرعا أصيلا من تلك الدّوحة المباركة من ذرية إبراهيم، لا يقلّ شرفا وفضلا عما يعتزّون به من الإيمان بموسى عليه السلام وهو من ولد "سارة".
(وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً): جملة معطوفة على جملة: (أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) وبما أن لداوود عليه السلام شأنا خاصّا في ما أوحي إليه، وهو أنه أنزل وحيه مكتوبا، لم يعطف على ما قبله عطف المفرد، لأنه بذلك يفيد مطلق الوحي، وبعد تعداد زمرة من رسل بني إسرائيل بأسمائهم ممن اشتهروا عندهم بمزيد من الفضل والذّكر، أجمل الله ذكر من بقي منهم سواء من ورد ذكرهم وهم كثير في موكب البشرية وقد تعدّدت مواطنهم وأقوامهم وأزمنتهم، كما تنوعت مهامّهم في مجالات دعواتهم حتى الرّسالة الخاتمة الشّاملة في صلاحيتها وعالميتها على يد سيّدنا محمد عليه السلام ونحن مدينون بالإيمان بهم جميعا.