نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٩٧

بعد أن قامت حجة الله على خلقه ببعثة رسله وإنزال كتبه، وثبتت وحدانية الله بطريق الشّرع والعقل، وتمت شهادة الله بنبوءة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقد اهتدى من اهتدى عن بيّنة، وضلّ من ضل عن بيّنة، فناسب بعد ذلك أن يجيء هذا الإنذار لأولئك الذين اختاروا طريق الضّلالة، سواء منهم أهل الكتاب المتحدّث عنهم في الآية السّابقة، أو المشركون بصفة عامّة.

(إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيدًا): جملة (صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ) تفيد موقفهم المتعنّت في إشاعة الكفر والضّلال إما بطريق القدوة السّيئة إذا اعتبرنا فعل "صدّ يصِدّ" لازما، أو بطريق الإغراء والإفتان إذا اعتبرناه متعديّا من "صدّ يَصُدّ"، وفي كلتا الحالتين فهو إغراق وإمعان في الكفر والضّلال، ولذلك جاء وصفه بـ"بعيد" كالتّيه في الفيافي الشّاسعة، بحيث لا ترجى لصاحبه النّجاة، كما تبيّن هذا المعنى الجملة اللاّحقة في قوله تعالى: (اِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً، اِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)، وتكرار موقفهم وعملهم الدّنيء لترتيب الجزاء عليه هو للمبالغة في التّنديد على ذلك، وأسقط المفعول في (ظَلَمُواْ) ليتناول ظلم النّفس وظلم الغير، والكافر لا يكتفي عادة بسلوكه الشّخصيّ، بل نراه يسعى جاهدا لاستكثار أمثاله بأنواع من المغريات والدّعايات، يقول تعالى: (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً) (النساء:89). كما وصف الشّرك بأنه ظلم عظيم.

١٬٣٦٠ / ٦٬٧٦٧