سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٩٨(لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً، اِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ): جاء الوعيد على صيغة الجحود في نفي المغفرة والهداية للتحقيق وللتأكيد، وليكون ذلك أوغل في التّهديد والوعيد، وتحذيرا من البقاء على تينك الصّفتين، لأن الكافر والظّالم إذا وفقهما الله إلى التّوبة النّصوح فقد انتفت عليهما الصّفتان اللتان تعلّق بهما الحكم. وآية سورة القتال، توضّح أن هذا الجزاء يكون للذين ماتوا على كفرهم، يقول الله تعالى: (إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (محمد:34). ونفي هديهم إلى الطّريق على أسلوب المجاز المراد به -والله أعلم- صراط الله المستقيم الموصل إلى رضوان الله ومغفرته، والهداية إلى هذا الطّريق لا تتأتى إلاّ بانتهاج هدي القرآن الذي يصفه رسول الله بأنه هو الصّراط المستقيم، وذلك بتزكية النّفس وتوخّي أسباب الهداية إلى الإيمان، عن طريق مراعاة سنن الله واتخاذ الأسباب، والله تعالى يقول: (إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ) (يونس:9). ويقول: (وَمَنْ يُّومِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه) (التّغابن:11) فليس في هذه الآية جبر ولا إكراه، وطريق جهنم هو النّهاية للمتردّين في هاوية الضّلالة والكفر على ما اختاروه لأنفسهم وإن سبق في علم الله أنهم لا يرجعون عن كفرهم؛ واختيار أسلوب الاستثناء في سياق النّفي الذي يفيد الحصر هو لتأكيد الإنذار، ثم يؤكد خلودهم في النّار ("أبداً"، أي خلوداً دائما لا نهايةله، وهو منصوب على الظّرفية.