سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٢١جاء افتتاح السّورة بهذا النّداء الإلهي الموجّه للذين آمنوا على خلاف النّداء العام للنّاس في مفتتح سورة النّساء، وفي هذا النّداء للذين آمنوا خصوصية تؤذن بقيمة الأحكام التي ترد في السّورة الكريمة، وما يتخللها من المواعظ والإرشادات، لا يتأتى القيام بها إلا بقوة الإيمان والدّينونة لله تعالى.
وتحمّلُ هذا الإنسان لأمانة الخلافة في الأرض قد تمت وفق إرادة الله ومشيئته في بدء الخليقة، يقول تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُو عَزْماً) (طه:115). ويقول: (أَلَمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ إِنَّهُو لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) (يس:60 - 61).
فلا مناص في حياة الإنسان من التزامات وضوابط تؤطر نشاطه وهو يقوم على عمارة هذه الأرض التي جعلها الله تعالى مهادا لحياته، وملأها بمختلف الكائنات تزاحمه وتناوشه -أحيانا- وهو يحاول تسخيرها لخدمته، فهي إذن عقود وعهود تضبط مسيرة حياته يجب عليه الوفاء بها بدءًا بعلاقته بربه، وبواجباته نحو نفسه، ثم في محيط أسرته ورهطه، ثم لسائر بني جنسه، من قاعدة الهرم من المجتمع الإنساني إلى قمته من المستوى الدّولي والعالميّ.
والوفاء بالعقود ابتداءً بعهد الله وميثاقه من العلامات المميزة للمؤمن الوفيّ، لأن الغدر والخيانة من شيم النّفاق، ودائرة الحلال والحرام في الشّريعة الإسلامية هي الإطار العام الذي يجمع الأحكام المشروعة، والكليات الخمس التي حدّدها الأصوليون والفقهاء هي المحاور التي تدور عليها تلك الأحكام إيجابا وسلبا، ولذا نجد فِعليْ: أحلت وحرمت، هما أول ما يتصدر تلك الأحكام التّفصيلية التي يعتبر الأمر بالوفاء بالعقود عامّة مقدمة لها.