سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٥٩تكررت النّداءات للذين آمنوا من أول السّورة إلى هذه الآيات لعدة مرات، وإن كانت المواضيع المذكورة بعد تلك النّداءات مستقلة عن بعضها في أغلب الأحيان، واقتضى الاهتمام بها أن يتكرر ذلك النّداء، فإن المناسبة بين هذه الآيات موجودة ظاهرة لأدنى تأمّل، وتندرج هذه الإرشادات الإلهية في عموم أمره بالوفاء بالعقود والتّذكير بالميثاق الذي واثقنا به، ومن مقتضيات ذلك أن نكون قوّامين لله شهداء بالقسط، وقوّام: صيغة مبالغة من القيام بالشيء على الوجه الأكمل، ولم يذكر متعلق تلك القوامة لتشمل كل التّكاليف التي أمرنا بها، ويستروح من التّعدية بـ"اللام" (قَوَّامِينَ لله) أن يكون قيامنا بتلك الأعمال منبنيا على الإخلاص والنّية الصّادقة، ثم توخّي العدل والقسط في إظهار الحق والوفاء به، ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين.
ولما كان الإنسان -غالبا- مشدودا بعاطفة القرابة ومتأثرا بحالته النّفسية من الرّضى والغضب، جاء النّهي الإلهي عن المحاباة والميل مع هوى النّفس للتّجافي عن العدل مهما كانت الدّوافع والأسباب، لما في ذلك من الأضرار والمفاسد الاجتماعية في فقدان الثّقة بين النّاس، واختلال القيم الخلقية بالاحتكام إلى منطق القوة والسّلطة والجاه، وجاء في الحديث عن وصايا الرّسول عن ربّه قوله عليه السلام: «أوصاني ربّي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الرّضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، … »(1)
(1) 1 - أورده القرطبي في الجامع، 7/ 346.