نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٦٠

ولما كان ضبط النّفس في توخي العدل والإنصاف في المعاملة من معالي الأمور وأشقها على النّفوس البشرية، أكّد الله ذلك النّهي بالأمر الذي جعل ذلك العدل أمرا مفروضا لا هوادة فيه فقال تعالى: (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، والعدل مع العدوّ في واقع النّاس أمر صعب وشاق لا يقدر عليه إلا من قويت شحنة إيمانه بالله تقىً وخشية، بأن يكون أولا باعث حبّه أو بغضه لأحد في ما يرضي الله أو يسخطه، لا لمنفعة عاجلة، أو مجاملة انتهازية، ومن ثمّ ينال المتّقي ذلك القدر من الطّاقة الرّوحية التي تجعله يتسامى عن معاني التّراب، بما فيها التّعاظم بالأنساب والأحساب.

يقول الإمام القرطبي في تفسير الأحكام: "دلّت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمّونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة، قصدا لإيصال الغمّ والحزن إليهم" اه.(1)

قلت: أين من هذه التّوجيهات الرّبانية ما نشاهده اليوم في أغلب البلاد الإسلامية من أنواع التّعذيب والتّمثيل ومن الصّور البشعة في التّقتيل، لا للأعداء الكفرة المحاربين، بل لمن ينعتون بأنهم في صفّ المعارضة السّياسية للسلطة الحاكمة، أومن طرف تلك المعارضة لأعوان السّلطة حين تثور الفتن الدّاخلية، إنها … -لعمري- لا تمتّ بصلة لأخلاقيات الإسلام، وحسبنا هذه الآية الكريمة شاهدا على ذلك: (وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، تحذير وإنذار.

(1) 2 - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 6/ 110.

١٬٤٢٣ / ٦٬٧٦٧