سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٣٧كما أن رفض ذلك الحكم حين يصدر مؤسسا على حكم الشّرع الحنيف، يخرج صاحبه من دائرة الإيمان، مهما ادّعى انتماءه باللّسان، لأن الله يقول في الموقف الأول: (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ (ءَامَنُواْ) (النساء:60). والزّعم أو الظّن لا يغني من الله شيئا، ويقول في الموقف الثّاني: (وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُومِنِينَ): فقد نفى عنهم صفة الإيمان بالتأكيد، وقد جمع الله الموقفين في آية سورة النساء في قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (65).
وعلى ذكر أحكام الله في التّوراة وموقف بعض اليهود منها، يشيد الله بمنزلة التّوراة وما فيها من الهداية والنّور وموقف أسلافهم الصّلحاء منها، فيقول تعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيئُونَ الذِينَ أَسْلَمُواْ لِلذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالاَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ): فالتّوراة هي وحي من الله بلّغه سيدنا موسى-عليه السلام-بكلّ نزاهة وأمانة، وأحكامها هداية ونور، تطهّر القلوب وتزكيّ النّفوس، وقد التّزم بتطبيقها جميع الأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى، ويمكن أن يدخل في عموم اللّفظ حتى سيّدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلا يختصّ بأنبياء بني إسرائيل، ولعلّ الوصف المختار للنّبيئين (الذِينَ أَسْلَمُواْ): يؤيّد ذلك العموم، إذ فيه إشادة بالإسلام، وأنه الصّفة التي تميّز هؤلاء الأنبياء، لا كما يزعم اليهود بأن الهداية لا تكون إلا بوصف اليهودية أو النّصرانية: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً اَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ) (البقرة:135).