نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٣٨

واللاّم في قوله تعالى: (لِلذِينَ هَادُواْ): بمعنى لأجل اليهود، وليست لمعنى التّعدية، أي يحكمون بها لأجل اليهود خاصّة، ويخلفهم في ذلك الرّبّانيون والأحبار، وهم علماء اليهود وحكماؤهم، والرّبّاني نسبة إلى الرّبّ، وهو الرّجل الصّالح الذي لا يتصرّف في سلوكه وأخلاقه إلا وفق ما يرضى به الرّبّ، سواء في سياسة نفسه أو في سياسة النّاس وتدبير شؤونهم، وما التّزموا بتطبيق أحكام التّوراة إلا بسبب ما اؤتمنوا عليه في حفظ كتاب الله من عهد موسى-عليه السلام- ضمانا ووفاء بميثاق الله، (وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءَ): أي شهدوا على ما في التّوراة من حق وصدق، وحافظوا على نصوصها حتى لا يتطرق إليها تحريف ولا تبديل، وفي هذا الوصف تعريض بما فعله الخلف من التّلاعب بنصوص كتابهم أو كتمان بعضها، مجاراة لما يريده كبرائهم وساداتهم.

(فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِأَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً): … ينتقل النّصّ من ضمير الغيبة إلى أسلوب الخطاب. والمخاطبون: إما جماعة اليهود عامّة، أي الأسلاف الأخيار والأخلاف الفجّار، أوهو للأخلاف الموجودين في وقت نزول الآية، وفيها تعريض بهم في الانحراف عن طريق السّلف، وفاء التّفريع على اعتبار أن الفريقين يكوّنون أمّة واحدة في دين الله، كما يجوز أن يكون الخطاب لعلماء اليهود الذين استحفظوا من كتاب الله، على اعتبار أن يجعلهم الخلف قدوة في خشية الله التي تثبتهم على الأمانة والوفاء، فلا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا بتملّق الكبراء والرّؤساء، طلبا للحظوة عندهم، أو باستغلال الدّهماء في مجاراة ميولهم وأهوائهم، أما من جعل الخطاب للجماعة الإسلامية، على وجه الالتفات، فيبدو أن سياق النّصّ لا يحتمله -والله أعلم-

١٬٤٩٦ / ٦٬٧٦٧