سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٥٩ولعل الذي يرجّح ما ذهب إليه أغلب المفسّرين من أن ولاية بعضهم لبعض في قوله تعالى: (بَعْضُهُمُ (أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ): إنما تقع في الملّة الواحدة، لا بين الملتين هو التّعبير باسم الملتين، اليهود والنّصارى. ولم يقل: "لا تتخذوا أهل الكتاب أولياء." والواقع التّاريخي يدلّ على أن أتباع الملتين لم تكن بينهم موالاة ومناصرة بل عاشوا في صراع وتطاحن. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) (الحشر:14).
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ’ مِنْهُمُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): توعّد الله تعالى من يتولّى من المسلمين هؤلاء اليهود والنّصارى بأنه منهم، ويقتضي ذلك أن لا يحسب في عداد المسلمين الصّادقين. بل يكون واحدا منهم أي في ملّتهم. إذ لا يعقل من مؤمن وفيّ لدينه أن يكون حربا على إخوانه بنصر أعدائهم عليهم أو بالإستنصار بهم من دون المؤمنين وقد أشكل على بعض العلماء مثل هذا الحكم الشّديد أهوَ على ظاهره أمّ لابد فيه من التّأويل. وأوفق ما قيل في هذا التّأويل ما أورده الإمام ابن عاشور في تحريره وتنويره إذ يقول: "وقد اتفق علماء السّنة على أن ما دون الرّضا بالكفر ومما لاتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الرّبقة الإسلامية ولكنه ضلال عظيم. وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين".(1)
قلت:
وهذه الإشكالية مطروحة قديما وحديثا في ما وقع بين المسلمين بين الدّويلات الإسلامية في الشّرق الأوسط وبين ملوك الطّوائف في الأندلس، ثم ما وقع حديثا في حرب الخليج. و (لِلهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) (الروم:4). يقول الإمام ابن عاشور: "وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها. ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلا وهو المعاملة. وقد عامل النّبيء
(1) – مجلد 06 / صفحة: 230.