سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤٧٢استئناف ثان: أمر الله الرّسول أن يعلن به في إصرار وثبات، فافتتحت الجملة بحرف التّوكيد "أن" وهذا الإعلان يتضمّن الإخلاص في العبادة لله وحده، وخصّصت الصّلاة والنّسك بالذّكر للتعريض بالمشركين الذين يتخذون الوسطاء بينهم وبين الله في قيامهم بتلك العبادة. وذلك مناف للإخلاص الذي يقتضيه الدّين الحق. بل حتى الرّياء عند القيام بالعبادة يعتبر من الشّرك الأصغر كما جاء في الحديث الشّريف. وتجرّد المؤمن لله في كل حركة وسكنة مما يترتب عن حياته أو موته يمثل حقيقة العبودية للخالق التي هي المقصد الأعلى لخليقة كما أرادها الله تعالى في قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56). وما كان ضلال المشركين أو انحراف الموحّدين من أهل الكتاب أو من بعض المسلمين إلا من فساد تصوّرهم لحقيقة الألوهية، عندما تتغلّب التّقاليد الفاسدة ويستهويهم شياطين الجنّ والإنّس فيخلطون بين العبادات والعادات الفاسدة التي تؤلّه بعض المخلوقات، وتعظّم غير الله، وإن كانوا من عباده المكرمين. والعبادة الحقة لا تتحقق إلا بالتّوجّه الخالص لله وحده بخلجات القلب وحركات الجوارح. بل يطلب ذلك التّوجّه الخالص بالنّية والقصد حتى في ما يكون في ظاهره مسعى دنيويا، فإن للمؤمن فيه أجرا ومثوبة إذا جعل حركته في حياته وسيلة لابتغاء مرضاة الله.