سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ اَذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ): والمناسبة بين هذه الآية وما سبقها أنّ الله تعالى عندما شنّع على من أعرض عن تدبّر الكتاب وكفر به ذكّر بني إسرائيل بما أنعم عليهم من النّعم الكثيرة، وأجلّها وأعظمها ما أنزل عليهم من التّوراة والإنجيل، وكان حريّاً بمن حباه الله بنعمة العلم والحكمة وفضّله على غيره من النّاس كان حريّاً به أن يقدّر تلك النّعمة بالانصياع إلى الحقّ والتّمسّك بهدى الله.
(وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ): والتّذكير من شأنه أن يوقظ الضّمائر ويحفّز الهمم، ويبعث النّخوة في نفوس الأخلاف بما يعرض عليهم من مفاخر الأسلاف، ولكن قد تقسو القلوب إذا طال عليها الأمد كما حدث لبني إسرائيل، وذلك لا يقتضي من النّاصح الدّاعي أن يقرن التّذكير بالتّخويف والإنذار من سوء العاقبة، بما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تنقطع فيه الأسباب، فلا فدية ولا شفاعة ولا ناصر لهم من الله إن هم بقوا على ضلالتهم، فعجزوا عن العمل وتمنّوا على الله الأماني بأنّهم أحبّاؤه فلا يعذّبهم، أو أنّ الجنّة حكر عليهم فلا يدخلها غيرهم، نرجو من الله حسن الخاتمة وجميل العاقبة، فليعتبر المسلمون بهذا التّذكير حتّى لا يقعوا في ما وقع فيه بنو إسرائيل من الأوهام والأماني الكاذبة، بالاعتقاد الفاسد في شفاعة الأولياء، أو الاغترار بالانتماء إلى الشّرفاء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزّهراء عليها السلام:» يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت، فإنّني لا أغني عنك من الله شيئاً «.(1)
(1) - رواه مسلم عن أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿و أنذر عشيرتك الأقربين﴾، حديث 206، 1: 192.