سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ١٢٣ب- تسريح لها بإحسان بأن لا يراجعها حتّى تنقضي عدّتها من الطّلقة الثانية، فإذا راجعها بعد التّطليقتين فعليه أن يمسكها بمعروف أو يطلّقها الثالثة بإحسان فلا يراجعها بعد ولا يتزوّجها حتى تنكح زوجاً غيره. وذلك لما ذهب إليه جمهور علماء السلف من أنّ المراد من التّسريح بإحسان الطّلقة الثالثة بدليل حديث ابن رزين الأسدي أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلميقول: (الطَّلاَقُ) فأين الثالثة؟ فقال: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ) ويكون قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُو مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) بياناً له.(1)
والحكمة من إعطاء الفرصة مرّتين هو الحدّ من العبث الذي درج عليه الجاهليون كما تقدم. ثمّ إنّ الاقتصار على فرصة واحدة في حقّ المراجعة لا تفي بالغرض المطلوب في وضع الزّوجين على محكّ التّجربة عندما يفترقان لفترة العدّة، وسواء كانت الدّوافع للطّلاق من طرف الزوج أو الزوجة، فقد يحدث الله بعدها أمراً تعود به العلاقة الزّوجية إلى ما كانت عليه فيستمرّ البيت على هنائه واستقراره. أمّا إذا استمرّ التّوتّر العائلي ولم تُجْدِ تلك التّجربة في المرّتين الأوّليين فلا مناص لكليهما من تجربة أخرى، وهي الطّلقة الثالثة التي يذهب فيها كلّ منهما على حاله لحياة زوجية جديدة.
وقد اختلف العلماء من عهد الصحابة رضوان الله عليهم في المراد من الآية: أهو إيقاع الطلاق مفرّقاً مرّة عقب مرّة أخرى لا غير، أم يجوز أن يقع مجموعاً بلفظ واحد وهو ما يسمّى بالطّلاق البدعي؟.
(1) 1 - أنظر: الطبري، جامع البيان، 2/ 452.