سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٩ما أبلغ أسلوب كتاب الله! وما أعظم حكمته في النّصح والإرشاد! إذ ينبّه إلى مكامن الدّاء ثم يصف العلاج، فبعد ذلك التّوبيخ والتّقريع لأهل الكتاب وقد تمادوا في الضّلال والإضلال وتفنّنوا في الدّسّ والمكر والاحتيال ينتقل السّياق إلى تحذير الجماعة المؤمنة يناديها بأحبّ الأوصاف إليها (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ)، وتكرر النّداء لمزيد الاهتمام بما سيُلقى عليهم من النّصح والإرشاد فقال عزّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
في مثل هذا الجوّ من المهاترات الكلامية قد تطيش الأحلام ويعشى الأبصار أضواء الدّعايات المغرضة، فلا يكاد المرء يستبين العدوّ من الصّديق، وفي نفوس البشر قابلية للخير والشرّ، فلابدّ لصوت الحق أن يعلو مجلجلا حتى لا تغمره الأصوات، وهاهو الحقّ تعالى ينادي المؤمنين ويحذّرهم من مغبّة الوقوع في أحابيل الدّعاية المغرضة من بعض غلاة اليهود وأشياعهم، يخاطبهم الرّبّ تعالى مباشرة، خلافا لنداء أهل الكتاب الذين ناداهم بواسطة رسوله، تشريفا لصفة الإيمان التي تجعلهم أقرب إلى الله وأولى بعنايته ورحمته.
وأيّا كان الفريق من أهل الكتاب المشار إليه في هذه الآية الكريمة -وقد نقلت الرّوايات عدة حوادث جعلتها سببا للنّزول- فإنّ العبرة بعموم اللّفظ. فليس ذلك الفريق محصورا في يهود المدينة زمن التّنزيل، بل لا يزال ذلك ديدنهم، وهم اليوم أشدّ ما يكونون عداء ومكرا للإسلام -وقد ملكوا ناصية الدّنيا واستحوذوا في العالم على وسائل الإعلام-، وكم من تحذيرات للمؤمنين ردّدها القرآن الكريم، حذّر الله فيها من الوقوع في حبائل إغواء الكافرين مهما تفوّقوا أو ظهروا، لأنّ الكفر بعد الإيمان مفسدة ومهلكة قلّما يرجى لصاحبه إنابة أو رجوع، سيما إذا ظهر الحق ووضحت البيّنات.