سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٨بعد الحكم على معظم أهل الكتاب بالفسق وأنّ المؤمنين منهم قلة، جاء هذا الاستئناف لإنصاف تلك القلّة المؤمنة. وقد ذكرت الرّوايات بأن أحبار اليهود قالت في عبد الله بن سلام وأمثاله من المؤمنين بالإسلام قالت: "ما آمن بمحمد واتّبعه إلاّ شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم" فأنزل الله قوله: (لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ).(1)
الضّمير في قوله تعالى: (لَيْسُواْ) يرجع إلى أهل الكتاب المتحدث عنهم وهم اليهود، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار ليكون البناء شاملا لصالحي اليهود والنّصارى، وذلك أدعى إلى استمالتهم إلى الإسلام، والمقصود بهذه الجماعة القائمة هم الذين أسلموا من اليهود وحسن إسلامهم، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنها أنّه قال في معنى الأمّة القائمة: "أمة مهتدية قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيّعوه".(2)
وقال الإمام عبده في تفسير الآية: "هي دليل على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء، وأنّ كلّ من أخذه بإذعان وعمل فيه بإخلاص فهو من الصّالحين".(3) كما يجيء هذا الوصف في تذييل الآيات: (يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللهِ ءَانَآءَ اليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)