نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤٥٩

إنّ الله تعالى عادل لا يبخس النّاس أشياءهم، فإن القلّة المؤمنة من أهل الكتاب لا يمكن أن تُلَزَّ في قرن واحد مع الأكثرية الفاسقة: (وَمَا يَسْتَوِي الاَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا يَتَذَكَّرُونَ) (غافر:58). ومهما استشرى الفساد وعمّ الضّلال والإلحاد في أمّة من الأمم فإنّ الخير والصّلاح لا يَعْدِمُ أتباعاً وأنصاراً يثبتون على الحقّ لا يضرّهم من ضلّ، وهكذا كان شأن تلك القلّة المؤمنة من أهل الكتاب، فقد أضفى الله كلّ أوصاف الخيرية المتقدّمة ممّا يدلّ على أنّ ذلك ليس حكراً على أمّة دون أخرى، فالنّاس منذ خلقوا مؤمن وكافر وبارّ وفاجر. قال تعالى:

أ) - (يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللهِ ءَانَآءَ اليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ): أي على اعتبار أنهم مسلمون فهم يتلون آيات الله في صلواتهم حالة كونهم سجودا لله، لأنّ السّاجد أقرب ما يكون لربّه، وعلى اعتبار استقامتهم على دينهم فيفسّر بمعنى تلاوتهم لأدعيتهم التي عندهم بتذلّل وخشوع كما قال تعالى في شأن مريم: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران:43).

ب) - (يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ): أي إيمانا صادقا وفق التّصوّر الإسلاميّ الصّحيح مما جعلهم ينضمّون إلى صفّه ويتحمّلون تبعاته مع بقيّة المسلمين.

ج) - (وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): خلافا لغيرهم من فسّاق أهل الكتاب ممّن كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. وبهذه الأوصاف الثّلاثة كانوا يحقّقون أوصاف الأمة الخيّرة وأضاف الله لهم وصفا رابعا فقال:

٧٦٢ / ٦٬٧٦٧