سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٦١بعد بيان أوصاف من آمن من أهل الكتاب ووعد الله تعالى بحسن الجزاء على الأعمال الصّالحة، أتبع بذلك بوعيد الكفار وتيئيسهم من دفع غائلة العذاب عنهم يوم القيامة بما يغترّون به في الدّنيا من الأموال والأولاد فقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمُ (أَمْوَالُهُمْ وَلآَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
كثيرا ما يتطاول أرباب الأموال من الأغنياء المترفين ويعتقدون أنّ أموالهم مانعتهم من عذاب الله، وأنّ الله تعالى سيكرّمهم في الأخرى كما كرّمهم في الدّنيا بتلك الأموال حتى قال صاحب الجنتين لمحاوره الفقير: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً) (الكهف:36). ولكن القرآن الكريم قد سدّ على هؤلاء منافذ الطّمع والاغترار بذلك كما ورد في هذه الآية الكريمة التي انتقل فيها السّياق من الوعد لمؤمني أهل الكتاب إلى وعيد الذين كفروا بصفة عامّة حتى يشمل كفّار أهل الكتاب ومشركي قريش وغيرهم وكذا المنافقين من كل من كان يتعزّر بكثرة الأموال ويعيّر الرّسول وأتباعه بالفقر: (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ:35).
وغالبا ما يتفاخر النّاس بكثرة الأموال والأولاد ويجمعون بينهما لأنّهما من أعظم الوسائل في الحصول على زينة الحياة الدّنيا كما قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا) (الكهف:46).وفي متعارف النّاس ومألوفهم أنهم يتّقون بالأموال والأولاد غوائل الزّمان فيفتدون بهما أنفسهم عند من يقعون في قبضته فنفى الله ذلك نفياً تأبيدياً لغناء الأموال والأولاد عنهم يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وكرّر العطف لتأكيد ذلك ثم عطف الجملة: (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لينصبّ عليها التّأكيد بـ"إن" في أول الجملة.