نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ٣

والعبرة هنا تتلخّص في صبر وثبات الرّسل وأتباعهم عند نزول الشّدائد، وأقساها إصابة أنبيائهم أو قتلهم في حرب أو غيره، فما وهنوا وما انخذلوا بذلك لأنهم يعتقدون أن الأنبياء والمرسلين هداة ومعلّمون، وهم بشر ممتازون لا أرباب معبودون، فثباتهم وصدق جهادهم في الحالين من حياة الرّسول وموته إنما علّته هي كون ذلك الجهاد منهم في سبيل الله وإحقاق الحق لا لذات الرّسول أو النّبي، ومحلّ العبرة هنا هو تسلية المسلمين وتثبيتهم في حال هزيمتهم، أو في حال الإرجاف بقتل النبي، وتقتضي هذه العبرة أن يصبر المؤمنون وأن يثبتوا حول نبييّهم حتى يكونوا بمنزلة أولئك الرّبّيين كرما عند الله وفوزا في الدّارين، لأن الله مع الصّابرين يغمرهم بحبّه وعونه

(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمُ (إِلآَّّ أَن قَالُواْ رَبَّنَا اَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتَ اَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ):

القصر في مفتتح هذا الدّعاء قصر إضافيّ قدّم فيه الخبر لأن المقصود هو حصر أقوالهم في تلك المقالة لا غير، وجملة الدّعاء معطوفة على الآية: (فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله)، وهل للمؤمن ملاذ لغير الله عند اشتداد الكرب؟؟، والجأر بالدّعاء تعبير حيّ للتّذلل والخضوع والاحتماء بركن الله الرّكين، وقد تكون المصيبة النّازلة عقابا على تقصير في حق من الحقوق، فيقتضي ذلك أن يتأدب المؤمن مع الله فيطلب منه أولا العفو والمغفرة على ما بدر منه، ثم يرفع إليه شكواه في تذلل وخضوع، وذلك هو ما تحقق في موقف الرّبّيين، وهم يجأرون إلى الله بدعائهم، وقد جمعوا بين عظائم الأفعال بالصّبر والثّبات والاستماتة، وبين طيّب الأقوال بحسن الدّعاء والابتهال إلى الله، يطلبون منه العفو والمغفرة أو لا خشية أن يكون ما أصابهم جزاء لما فرطوا أو قصّروا، ثم يسألون منه تعالى النّصر وأسبابه.

٨٠٦ / ٦٬٧٦٧