سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ١٣(مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ): أي أنكم انتصرتم في أوّل المعركة، وقوله تعالى: (أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ) يعني أن طلائع النّصر في أول المعركة كان بتدبير الله وتأييده حين توفرت منكم أسباب النّصر من الثّبات والصّبر والطّاعة لأمر القائد، والمحبوب لدى المجاهدين هو النّصر والغنيمة. قال تعالى في سورة الصّف: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) (الصف:13).
(مِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الاَخِرَةَ): تفصيل لدوافع التّنازع والاختلاف الذي أدّى إلى الفشل والهزيمة، وهو تقرير ضروريّ يكشف الله به الخواطر النّفسية التي تتنازع الإنسان بين النّوازع العاطفية وبين أداء الواجب المطلوب، والمرء محكوم عليه بنوع إرادته حين تتحوّل إلى أعمال وتصرّفات لا يقدّر وخامة نتائجها -غالبا- إمّا عن جهل أو غلبة شهوة، وربما يعجب المرء كيف يصدر ذلك عن صحابة رسول الله، وهم النّموذج الأعلى في حبّ الله ورسوله، وهل من عيب أو ذنب في إرادة الدّنيا إذا جعلها المؤمن مطية للآخرة -كما تقدم-. غير أن الموقف يستدعي بعض التّأمّل والتّحليل، إذ لا بد من التّنظير بين المواقف لمعرفة ما يناسب كلاّ منها، ثم الوقوف على طبائع هذا الإنسان كما فطره الله عليها، وقد استطاع عبد الله بن مسعود بحدسه القويّ أن يلقي الضّوء على هذه الإشكالية بقوله: "ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدّنيا حتى نزل فينا يوم أحد: (مِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الاَخِرَةَ).