سورة آل عمران
الجزء ٤ · صفحة ١٤قبل الالتفات إلى المخاطبين بقوله تعالى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ) جيء بالحكم العامّ الشّامل لكل حيّ، فالكلّ يموت لا فرق بين مؤمن أو كافر ولا غيرهما ممن تتناقض صفاتهم وتتعدّد أشكالهم، ولمّا كان المقصود من السّياق هو تسلية المؤمنين على ما أصابهم كان لهذا الحكم العامّ الذي يتناول الفريقين في معركة "أحد" كان له وقعه البالغ في نفوس المؤمنين، إذ يكون المعنى: إن الموت لمّا كان هو غاية كل حيّ -وتلك حقيقة لا يمكن نكرانها- فلا تأسفوا أيّها المؤمنون لموت قتلاكم في سبيل الله، إذ أنهم لو لم يموتوا اليوم لماتوا بعد ذلك حتما، لأنّ كأس الموت دائرةٌ على الجميع، فالكلّ يذوق جرعة منها. وللتعبير بالذّوق والنّفس إيحاءاته، وقد تمازج في أقوال المفسّرين رأي الفلاسفة والفقهاء في التّعريف بحقيقة النّفس والموت، ولا يخلو جدالهم الطّويل من الإغراق في التّأويل، ويلخّص صاحب المنار الحديث فيهما بقوله: "واستشكلوا موت النّفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة، وإنما يبعث الموجود، ولو عدمت النّفس لما صحّ أن يقال إنها تبعث، وإنما يقال توجد. وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت، فإن الذي يذوق هو الموجود، والميّت لا يذوق لأنّ الذوق شعور، فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الرّوح للبدن إنما تشعر بها النّفس، وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت. ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد، وهناك جواب آخر أبسط من هذا وأظهر، وهو أن الخطاب هنا على العُرف المعهود في التّخاطب المتبادر لكل عربّي، وهو أن كل حيّ يموت".(1)
(1) 1– محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 4/ 270 - 271.