الفصل الرابع: في خلود أهل الجنة والنار
الجزء ١ · صفحة ١٤٥أي كافر كفر نعمة لا كفر شرك من قال بأن المشركين مخلدون في النار، وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلدين في النار، كما يرى عن مالك بن أنس الأصبحي(1 ) أنه قال: »من مات على كبيرة، فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذب مقدار علمه، ثم يخرج فيدخل الجنة«(2 ) وفي قول الشافعي: »إنه يكتب في جباههم (هؤلاء جهنميون) فيعيرهم أهل الجنة على ذلك فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نوراً يتلألأ، فيود أهل الجنة أن لو عملوا كعملهم«(3 )، وهذا رأس الضلا، وعين المحال، بأن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قال (تعالى): (أفمن كان فاسقاً لا يستوون)( 4)، وقال (تعالى): (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)(5 )، وقال (تعالى): (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)(6 ) ولله در ابن النظر حيث قال:
وقول الناظم »أعني لدى الخلود..الخ« ألا فرق بين المشرك والفاسق المنافق في الخلود، بل كل منهم مخلد لقوله (تبارك وتعالى): (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(8 )، ولقوله (تعالى): (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً)( 9) وإنما الفرق بين أهل النار في منازل العذاب، إذ كل معذب بقدر عمله، فالنار دركات بعضها أشد عذاباً من بعض، وأكثر نكالاً من غيرها، حتى روي: »أن أقل الناس عذاباً من ينعل بنعلين من النار فيفور منهما مخه من أعلى هامته«(10 )، والدليل على الفرق بينهم في أنواع التعذيب قوله (تعالى): (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)(11 )، وقوله صلى الله عليه وسلم: »إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون«(12 )، فدلت الآية والحديث معاً على أن أحداً دون هذين الفريقين في العذاب.